وقوله تعالى :
فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ
« 1 » فأتى بقوله :
قالَ يا آدَمُ
مجرّدا عن الواو تنبيها على إيضاح الوسوسة وكشف غطاها وشرح تفاصيلها ، ولو أتى بالواو لم يعط هذا المعنى لما فيها من إيهام التغاير المؤذّن بعدم الكشف والإعراض عن التقرير .
ورابعها : أن تكون الجملة الثانية واردة على جهة رفع التوهّم عن الجملة الأولى عن أن تكون مسوقة على جهة التجوّز والسهو والنسيان ، ومثاله قوله تعالى في صدر سورة البقرة :
ألم . ذلِكَ الْكِتابُ
« 2 » فلمّا كانت هذه الجملة واردة على جهة الإيضاح بأنّ هذا القرآن قد بلغ أعلى مراتب الكمال ، وسيقت على المبالغة بإعظامه ، وأنه لا رتبة فوقه ، حيث صدّر السورة بالأحرف المقطّعة إشعارا ببلاغته ، وجيء باسم الإشارة مع اللام تنبيها على ما تضمّنته من البعد على صفة الإغراق في وصفه ، فلمّا كان الأمر فيه هكذا ، سبق إلى فهم السامع أنّ ما يرقى به من هذه السمات البالغة إنما هي على جهة الخرف والسهو والذهول ، وأنه لا حقيقة لها ، أراد رفع الوهم بما عقّبه من الجمل المردفة ، فلهذا وردت من غير واو ، إشعارا بما ذكرناه ، فقال :
لا رَيْبَ فِيهِ
أي ليس أهلا لأن يكون مرتابا فيه ، وأن يكون محطّا للريبة ومحلّا لها ، ثم أردفه بقوله تعالى :
هُدىً لِلْمُتَّقِينَ
أي : إنه هاد لأهل التقوى معطيا لهم حظّ الهداية به .
ومن هذا قوله تعالى :
ما هذا بَشَراً
« 3 » ثم قال :
إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ
« 3 » فقوله :
إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ
سيق من أجل رفع الوهم بالجملة الأولى ، غير أن تكون على ظاهرها من الدلالة على الإغراق في مدحه .
ومنه قوله تعالى :
كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً
« 5 » فقوله :
كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً
هامش
( 1 ) طه : 120 .
( 2 ) البقرة : 1 و 2 .
( 3 ) يوسف : 31 .
( 5 ) لقمان : 7 .