تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ
« 1 » .
وفي الآية وما يتعقّبها نكات وظرف دقيقة :
منها : قوله : ( مصدّقا لما معهم ) أو ( مصدّقا لما معكم ) - في آية أخرى - وهذا تنويه بأنّ المتبقّي من التوراة ليس كلّها وإنّما هو بعضها . . . لكنّه لم يقل : ( لما بقي من التوراة عندكم ) وعبّر ( بما معكم ) لئلّا يتنبّه اليهود إلى ذريعة أخرى لعلّهم يتذرّعون بها ، هو أنّ المنافرة إنّما كانت بين القرآن وما ذهب من التوراة ، فيجادلون الإسلام بهذه الطريقة . . . وهي طريقة أخذ ما تسالم الخصم دليلا عليه . . .
ولم يقل : ( مصدّقا بالتوراة عندكم ) لأنّه حينذاك كان اعترافا بأنّ الموجود هو تمامها لا بعضها .
فأتى بما لا يمكّنهم المخاصمة جدلا ، ولا كان اعترافا بصدق ما عندهم أنّه توراة كلّه . وهذا من دقيق التعبير الذي خصّ به القرآن الكريم .
وأيضا في التعقيب بقوله :
فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ
« 2 » . نسبة القتل إليهم بالذات ، لأنّهم رضوا بفعل آبائهم ومشوا على طريقتهم ، ولو قال : فلم قتل آباؤكم . . . لكان فيه حديث أخذ الجار بذنب الجار ، وكان أشبه بمحاجّة الذئب : عدا على حمل صغير ، بحجّة أنّ أباه قد عكّر الماء عليه في قناة كان يشرب منها « 3 » .
إقناع العقل وإمتاع النفس :
ميزة أخرى في احتجاجات القرآن ، هو حينما يحاول إخضاع العقل ببراهينه
هامش
( 1 ) آل عمران : 19 و 20 .
( 2 ) البقرة : 91 .
( 3 ) النبأ العظيم : ص 117 .