النفسية على سواء . . . ولو مالت هذه القوى إلى شيء من التعادل عند قليل من الناس فإنّها لا تعمل في النفس دفعة وبنسبة واحدة ، بل متناوبة في حال بعد حال ، وكلّما تسلّطت قوّة اضمحلّت أخرى وكاد ينمحي أثرها . فالذي ينهمك في التفكير تتناقص قوّة وجدانه ، والذي يسعى وراء لذائذه عند ذاك تضعف قوّة تفكيره وهكذا لا تقصد النفس إلى هاتين الغايتين قصدا واحدا أبدا
ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ
« 1 » .
وكيف تطمح أن يهب لك إنسان مثلك هاتين الطلبتين على سواء وهو لم يجمعهما في نفسه على سواء ، وما كلام المتكلّم إلّا انعكاس الحالة الغالبة عليه ( وكلّ إناء بالّذي فيه ينضح ) .
قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ
« 2 » وفاقد الشيء لا يستطيع أن يمنحك به .
هذا مقياس يمكنك أن تتبيّن فيه ما لكلّ لسان وما لكلّ قلم من قوّة غالبة عليه ، حينما ينطق وحينما يكتب . فإذا رأيته يتّجه إلى حقيقة فرغ له بعد ما قضى وطره ممّا مضى . . . عرفت بذلك أنّه يضرب بوترين ، ويتعاقب على نفسه الشعور والتفكير تعاقب الليل والنهار لا يجتمعان .
وأمّا أنّ أسلوبا واحدا يتّجه اتّجاها واحدا ، ويستهدف هدفا واحدا ، ويرمي إلى غرض واحد ، ولكنّه مع ذلك قد جمع لك بين الطريقتين : إقناع عقلك وإمتاع نفسك معا ، وفي آن واحد وفي كلام واحد ، كما يحمل العنصر الواحد من الشجرة الواحدة أوراقا وأثمارا ، أنوارا وأزهارا ، معا ، أو كما تجري الروح في الجسد والماء في العود الأخضر . . . فذلك ما لا تظفر به في كلام بشر على الإطلاق ، ولا هو من سنن اللّه في النفس الإنسانية . . .
ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ
.
هامش
( 1 ) الأحزاب : 4 .
( 2 ) الإسراء : 84 .