إذا فالصحيح المعقول هو الفرض الثالث ، أنهم مخلوقون ، وأنّ لهم خالقا ، هو واجب الوجود لذاته ، ويكون منتهى سلسلة الموجودات في دائرة الإمكان .
وقوله تعالى :
كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ
« 1 » . وقوله :
كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ
« 2 » . وقوله :
أَ فَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ
« 3 » .
وهذا من قياس النظير على النظير ، فقد قيس أمر الإعادة على أمر البدء ، قياسا معقولا ، لأنّ الذي فعل شيئا قادر على أن يفعل مثله ، إذ حكم الأمثال فيما يجوز وفيما لا يجوز واحد . . .
بل المسألة هنا هي الإعادة ، وهي أهون من الإبداع . كما سبق في قوله تعالى :
وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ . . .
« 4 » .
ومن هذا القبيل قوله تعالى :
قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ . قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ . الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ . أَ وَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ
« 5 » .
استدلال لطيف على إمكان الإحياء ، قياسا على البدء أولا ، لأنّ الإعادة أهون من الإنشاء . . . ثم القياس على المحسوس المشاهد . . . وأنّ الذي ينشئ من العود الرطب نارا كيف يعجزه إفاضة الحياة على العظام الرميم ! ؟ وأخيرا فإنّ خلق السماوات والأرض أعظم من خلقهم ، وهو القادر والخلّاق العليم بكيفية الخلق والإعادة . . .
وكذا جميع ما قيس من إعادة الحياة وحشر الأموات ، على إحياء الأرض بعد موتها بالمطر والإنبات .
هامش
( 1 ) الأعراف : 29 .
( 2 ) الأنبياء : 104 .
( 3 ) ق : 15 .
( 4 ) الروم : 27 .
( 5 ) يس : 78 - 81 .