لاشتدّ أسف صاحبها ، فكيف إذا كانت من نخيل وأعناب .
ثم إنّ الجنّة وإن كانت من نخيل وأعناب ، فما لم تجر الأنهار من تحت أشجارها لم يكن لها نفع عظيم بسكنها ، ولم تكن لها حياة ونضارة البتة . فتمّم هذا النقص بقوله :
تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ
.
وإذا انضمّت إلى النخيل والأعناب كل الثمرات كان وصفها أتمّ ونفعها أعظم والأسف على فسادها أشد . ولذلك تمّم هذا النقص وبالغ فيه بقوله :
لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ
.
ولمّا فرغ من وصف الجنّة شرع في وصف صاحبها ، فوصفه بالكبر ، وهي حالة يأس عن إمكان استئناف العمل لو ذهبت الأتعاب أدراج الرياح . فقال - محتاطا - :
وَأَصابَهُ الْكِبَرُ
.
ثمّ لو كان عقيما ولم يخلف ذراري ضعافا كان الأمر هيّنا بعض الشيء ، وسلّاه قرب الأجل ، لكن إذا كان قد خلف ذرية ضعفاء فإنّ الأسف على ضياعها أمرّ وأشدّ . ولذلك تمّمه بقوله :
وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ
. وأضاف وصفها بالضعف « ضعفاء » لأن الإطلاق يحتمل كونهم أقوياء لا حاجة لهم إلى تركة أبيهم . فكان ذلك يخفض من شدّة أسفه ، ويقلّ من وطأه غمّه .
وأخيرا أخذ في وصف الحادث المهلك الذي أصاب الجنّة ، فقال :
فَأَصابَها إِعْصارٌ
لكن لمّا كان الإعصار لا يعجّل فساد الشجر والزرع ما لم يكن فيه نار تمّمه بقوله : « فيه نار » تأكيدا على ذلك .
والإعصار عبارة عن تقابل الرياح المثيرة للعجاج الكثيف الذي دوامه واستمراره يعمي عيون الأنهار ويطمّ الآبار ، ويحرق بوهج سمومه الزروع والأشجار ، وهذا معنى « فيه نار » أدارها على الجنّة فاحترقت من شدّة لهبها ووهجها . كأنها دوّامة نار تدور عليها في وسط ذلك الإعصار .
ولمّا كانت مظنّة سلامة الأشجار عن الاحتراق - لما فيها من رطوبة وخضر -