أنّ ما ينفع الناس من رسوبات المسيل وصفايا المصوغ هو الذي يبقى ويستمرّ في حياتهم ، وأمّا الزبد والرغاف فيذهب جفاء وهباء .
فهنا عدّة استعارات وتشبيهات متداخلة ومترابطة بعضها مع بعض ، وبذلك اكتست حلّة قشيبة من الجمال .
أمّا الخاصّية الغريبة فهي ترتفع عن المستوى العام ولا يبلغ شأوها إلّا ذوو الأذهان المتوقّدة والأفهام المرهفة الرقيقة . ولها شواهد كثيرة في القرآن :
قال تعالى - حكاية عن زكريا ( عليه السّلام ) - :
رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً
« 1 » جاءت التكنية عن حلول مشيب عارض وعروض هرم بالغ ، بتعبيرين ، هما من أرقّ التعابير وأدقّها في هذا المجال :
أولا : كنّى عن الشيب البالغ بوهن العظم ، وهو يلازم ضعف الشيب ، فذكر العلّة الباطنة دليلا على المعلول الظاهر ، فقد وضع يده على السبب الأول الموجب لاستيلاء الضعف على مشاعره وجوارحه ، الآذن بالرحيل ، وهي كناية أبلغ من التصريح .
وثانيا : كنّى عن هرمه وكبر سنّه بتجلّل المشيب رأسه أجمع ، لكنه استعار لذلك استعارة فائقة .
استعار لتهلّل البياض المتجلّل به شيب الرأس ، وهيج النار ، وهي استعارة غريبة لم تعرفه العامّة ولم يسبق لها نظير في كلام العرب .
إنّ لبياض الشيب تشعشعا بالنور لدى النظر إليه ، شأن كل بياض يعكس بالنور المشعّ عليه ، فيندفق النور من حوله ، كما يفيض الماء من جوانب الإناء ، وكما يلتهب شواظ النار عند توقّد الاشتعال . وهكذا ينبسط ضياء المشيب كما
هامش
( 1 ) مريم : 4 .