استعارة الأسد للرجل الشجاع أو الحاتم للجواد .
وهذا النوع من الاستعارة لا شأن لها عند البلغاء ، اللّهمّ إلّا إذا حصل فيها تصرّف أخرجها عن الابتذال . كما في قول الشاعر : وسالت بأعناق المطى الأباطح » « 1 » فاستعار السيلان للسير الحثيث في سرعة مع سلاسة ولين ، وهذا أمر معروف ، لكنه أغرب في إسناد الفعل إلى الوادي وأدخل الأعناق في السير ، فقد سالت بالأعناق الأباطح ، دليلا على مزدحمها وتداوم حركتها ، حيث السرعة أو البطء في سير الإبل إنما تظهر في أعناقها .
وأجمل منه قوله تعالى :
أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ
« 2 » فقد استعير الماء الذي فيه الحياة للشريعة النازلة من السماء ، وفيها سعادة الحياة . وشبّهت مختلف استعدادات الناس ومختلف مستوياتهم بمختلف متعرّجات الأودية وأغوارها وأبعادها . فتسيل في كلّ بقدرها وحسب طاقتها .
والماء في بدء نزوله من السماء صاف ضاف ، لكنه في سيره في منعطفات المسيل ومتعرّجاته يحتمل معه أوساخا وأقذارا تطفو على وجه الماء زبدا رابيا ، متراكما ومتراكبا بعضه على بعض . هي ظلمات الشكوك والجهالات ، وهي التي تقع مطمح أهل القصور في النظر ، والهبوط في المستوى .
وهكذا أنواع المعادن والجواهر تذاب وتذهب أدرانها . ويعلوها رغاف ، غير
هامش
( 1 ) صدره : أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا . . . والمطلع : قوله :ولما قضينا من منى كل حاجة * ومسّح بالأركان من هو ماسح( راجع المطوّل : ص 368 )
( 2 ) الرعد : 17 .