الصباح عند أسفاره .
وهكذا الليل يسري
وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ
« 1 » . . . يقال : سرى يسري إذا سار في الليل ، وهو أفضل المسير أيام القرّ ، ترافقه نفحة ونسيم . لكن في تعبير القرآن كأنّ الليل هو الساري ، وهو آن من آنات الزمان ، يتّخذ مسيره في هدوء وهينة واتّئاد ، وكأنه ساهر يجول في ظلام ، أو مسافر يختار السري لرحلته هذه في الفضاء . يا له من إناقة في التعبير ، ورقّة ولطف ، أضف إليه جمال تناسقه ونغمه مع
وَالْفَجْرِ . وَلَيالٍ عَشْرٍ . وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ
.
وكذلك الليل يطلب النهار طلبا حثيثا
يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً
« 2 » وكأنهما فرسا سباق يتعاقبان ، لكن الليل سائر خلف النهار وفي أثره سيرا حثيثا سريعا لا وقفة فيه ولا فتور . وهل يطلبه ليفتك به والنهار شارد أمامه يخشى فتكه ؟ ! حتى إذا ما وقعت حبائل الليل عليه حصره وأحاطه ، وإذا الدنيا كلّها ظلام .
والجدار بنية جامدة كالجلمود ، لكنه في تعبير القرآن صاحب حسّ وإرادة وعقل ، لأنه يريد أن ينقضّ
فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ
« 3 » .
والجبال ، وهي على الأرض يسار بها مع الأرض ، لكنّها في تعبير القرآن هي التي تجتاز الفضاء وتمرّ مرّ السحاب ، رغم أنّك تحسبها جامدة أي واقفة لا حراك فيها :
وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ
« 4 » والسماوات والأرض تحسبها جوامد ، لكنها تنطق وتسبّح في منطق القرآن :
تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ
« 5 » .
هامش
( 1 ) الفجر : 4 .
( 2 ) الأعراف : 54 .
( 3 ) الكهف : 77 .
( 4 ) النمل : 88 .
( 5 ) الإسراء : 44 .