كان عليها ، زاعما عكوفه عليها مدة حياته ، ولكن رغم مزعومه أخذ في التراجع والانعطاف إلى خلاف مسيره .
وهذا ، لخلق الخوف والرجاء ، وطرد اليأس والغرور .
وهذا من أعظم التربية للنفوس البشرية ، فلا يأخذها القنوط واليأس إن هي أسرفت في التمرّد والعصيان ، ولا يسطو عليها العجب والاغترار إن هي بلغت مدارج الكمال .
ومنها : أنّ الإسلام دعوة إلى الحياة العليا والسعادة القصوى . كما أنّ في رفضها والتمرّد عن تعاليمها إماتة للقلوب ، وبذلك تموت معالم الانسانية في النفوس وتذهب كرامتها أدراج الرياح ، وإذا بهذا الانسان دابّة ، فبدلا من أن يمشي على أربع ، يمشى على رجلين لا أكثر من ذلك ، وفي ذلك هبوط من قمّة الشموخ إلى حضيض الهمجية والابتذال .
لَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ
« 1 »
وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ
« 2 » ووجوه أخر ذكرناها في فصل المتشابهات من الآيات « 3 » .
قال سيّد قطب : من ألوان التناسق الفنّي هو ذلك التسلسل المعنوي بين الأغراض في سياق الآيات ، والتناسب في الانتقال من غرض إلى غرض .
وبعضهم يتمحّل لهذا التناسق تمحّلا لا ضرورة له ، حتى ليصل إلى حدّ التكلّف ليس القرآن بحاجة إلى شيء منه « 4 » .
وقال الأستاذ درّاز : إنّ هذه النقطة غفل عنها جميع المستشرقين ، فضلا عن
هامش
( 1 ) الأعراف : 176 .
( 2 ) الحشر : 19 .
( 3 ) راجع التمهيد في علوم القرآن : ج 3 ص 239 - 252 تحت رقم 80 الطبعة الثانية .
( 4 ) التصوير الفنّي في القرآن لسيد قطب : ص 69 .