بأن توقفه مذهولا من جديد بعد قرابة ألف وأربعمائة سنة من نزول هذه الآيات وكأنها تنزل عليه لساعتها وتوّها .
اسمع القرآن يصف العلاقة الجنسية بين رجل وامرأة بأسلوب رفيع وبكلمة رقيقة مهذّبة فريدة ، لا تجد لها مثيلا ولا بديلا في أية لغة :
فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً
« 1 » هذه الكلمة « تغشّاها » تغشاها رجلها .
أن يمتزج الذكر والأنثى كما يمتزج ظلّان وكما يغشى الليل والنهار وكما تذوب الألوان بعضها في بعض ، هذا اللفظ العجيب الذي يعبّر به القرآن عن التداخل الكامل بين اثنين هو ذروة في التعبير .
وألفاظ أخرى تقرأها في القرآن فتترك في السمع رنينا وأصداء وصورا حينما يقسم اللّه بالليل والنهار فيقول :
وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ . وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ
« 2 » .
« عسعس » هذه الحروف الأربعة هي الليل مصوّرا بكل ما فيه .
وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ
. إنّ ضوء الفجر هنا مرئيّ ومسموع . إنك تكاد تسمع زقزقة العصفور وصيحة الديك .
فإذا كانت الآيات نذير الغضب وإعلان العقاب فإنك تسمع الألفاظ تتفجّر ، وترى المعمار القرآني كله له جلجلة .
اسمع ما يقول اللّه عن قوم عاد :
وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ
« 3 »
هامش
( 1 ) الأعراف : 189 .
( 2 ) التكوير : 17 و 18 .
( 3 ) الحاقّة : 6 و 7 .