والتشطير ، ومع ذلك فالموسيقى تقطر من كل حرف فيها ، من أين ؟ وكيف ؟
هذه هي الموسيقى الداخلية .
الموسيقى الباطنة سرّ من أسرار المعمار القرآني لا يشاركه فيه أيّ تركيب أدبي . وكذلك حينما تقول :
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
« 1 » وحينما تتلو كلمات زكريا لربّه :
قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا
« 2 » أو كلمة اللّه لموسى :
إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى
« 3 » أو كلمته تعالى وهو يتوعّد المجرمين :
إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى
« 4 » كل عبارة بنيان موسيقيّ قائم بذاته تنبع فيه الموسيقى من داخل الكلمات ومن ورائها ومن بينها بطريقة محيّرة لا تدري كيف تتم .
وحينما يروي القرآن حكاية موسى بذلك الأسلوب السيمفوني المذهل :
وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لا تَخافُ دَرَكاً وَلا تَخْشى . فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى
« 5 » كلمات في غاية الرقّة مثل « يبسا » أو لا تخاف « دركا » بمعنى لا تخاف إدراكا .
إنّ الكلمات لتذوب في يد خالقها وتصطفّ وتتراصّ في معمار ورصف موسيقيّ فريد هو نسيج وحده بين كل ما كتب بالعربية سابقا ولاحقا .
هامش
( 1 ) طه : 5 .
( 2 ) مريم : 4 .
( 3 ) طه : 15 .
( 4 ) طه : 74 .
( 5 ) طه : 77 - 79 .