يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ . الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ . فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ
« 1 » .
والبشرى ، حينما تبشّر الملائكة مريم بميلاد المسيح :
يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ
« 2 » ثمّ ذلك الصراخ في الاذن بتلك الكلمة العجيبة التي تشبه السكّين :
فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ . يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ . وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ . وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ . لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ
« 3 » وبعد ، فهذا التشكيل والسبك والتلوين في الحروف والعبارات في معمار القرآن هو نسيج وحده ، بلا شبيه - من قبل أو من بعد - كل ذلك يتمّ في يسر شديد ، لا يبدو فيه أثر اعتمال وافتعال واعتساف ، وانما تسيل الكلمات في بساطة شديدة لتدخل القلب فتثير ذلك الإحساس الغامض بالخشوع ، من قبل أن يتيقّظ العقل فيحلّل ويفكّر ويتأمّل ، مجرّد قرع الكلمة للاذن وملامستها للقلب ، تثير ذلك الشيء الذي لا نجد له تفسيرا .
هذه الصفة في العبارة القرآنية إلى جانب كل الصفات الأخرى مجتمعة ، هي التي تجعل من القرآن ظاهرة لا تفسير لها فيما نعرف من مصادر الكلام المألوف . « 4 »
الموسيقى الباطنة للقرآن :
هناك الفرق كبير بين « الموسيقى الظاهرة » المنتشئة من تقفية اللفظ
هامش
( 1 ) الانفطار : 6 - 8 .
( 2 ) آل عمران : 45 .
( 3 ) عبس : 33 - 37 .
( 4 ) محاولة لفهم عصري للقرآن : ص 245 - 247 .