تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن — صفحة 274

مساهمون:

ص٢٧٤
وأرغب في غريزة حبّ الاختصاص التي جبلت عليها طبيعة الإنسان ! وقول أبي تمّام الطائي ، يرثي خالد بن زياد الشيباني في قصيدة يمدح أباه فيها :
ويصعد حتى يظنّ الجهول * بأنّ له حاجة في السماء
يريد من الصعود : الرفعة في القدر والمنزلة ، لكنّه بنى على تناسي التشبيه فزعم أنّه يحاول الصعود إلى السماء على حقيقته . . وهذا التشبيه والتناسي خاليان من أيّ لطف وظرافة . ! وقايس بينه وبين قوله تعالى :
إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ
« 1 » انظر إلى جرس لفظه ولطف تعبيره . . . وقوله تعالى :
رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ، ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ
« 2 » كلام خال من التشبيه ، لكن ملؤه الأبّهة والجلال والكبرياء ، في حسن النظم وجودة التعبير . . . قال ابن رشيق : واستبشع قوم قول الآخر يصف روضا :
كأنّ شقائق النعمان فيه * ثياب قد روين من الدماء
فهذا وإن كان تشبيها مصيبا ، فإنّ فيه بشاعة ذكر الدماء ، ولو قال من العصفر « 3 » مثلا أو ما شاكله لكان أوقع في النفس وأقرب إلى الانس . وكذلك صفتهم الخمر في حبابها بسلخ الشجاع « 4 » وما جرى هذا المجرى من التشبيه فإنّه وإن كان مصيبا لعين الشبه فإنّه غير طيّب في النفس ، ولا مستقر على القلب ، ومن ذلك قول أبي عون الكاتب :
تلاعبها كفّ المزاج محبّة * لها ، وليجري ذات بينهما الأنس
هامش
( 1 ) فاطر : 10 . ( 2 ) غافر : 15 . ( 3 ) العصفر - كقنفذ - صبغ أصغر اللون . ( 4 ) الشجاع - مثلث الشين - : ضرب من الحيّات . وسلخها : كشط جلدها .