هذا وقد أنكر العلماء نسبة ذلك إلى ابن المقفّع ، الذي هو من أبصر الناس باستحالة المعارضة . إنّما يعرف ذا الفضل من الفضل ذووه .
قال الرافعي : هذه النسبة مكذوبة عليه ، وأنّ ابن المقفّع من أبصر الناس بعدم إمكان معارضة مثل القرآن ، لا لشيء إلّا لأنّه من أبلغ الناس . وإذا قيل أنّ فلانا يزعم إمكان المعارضة فاعلم أنّه إمّا جاهل أحمق أو عالم أعمته العصبيّة ، وابن المقفع ليس واحدا منهما ، ذلك الرجل العاقل الخبير بموضع نفسه من كلام اللّه المجيد .
قلت : إن صحّت الرواية - ولم تصحّ - فلعلّه كان مجاراة مع بني جلدته من أهل الأدب وربما كانوا يلحدون في آيات اللّه ، فأراد بهذه التجربة إفحامهم وإقناعهم بواقع الأمر .
يدلك على ذلك قصّته الأخرى - في المسجد الحرام - مع أصحابه ، عندما مرّوا بالإمام جعفر بن محمد الصادق ( عليه السّلام ) فعمد إلى التنويه بمقامه الرفيع :
روى الصدوق ( عليه الرحمة ) بإسناده المتصل إلى أحمد بن محسن الميثمي ، قال : كنت عند أبي منصور المتطبّب ، فقال : أخبرني رجل من أصحابي ، قال : كنت أنا وابن أبي العوجاء وعبد اللّه بن المقفع في المسجد الحرام . فقال ابن المقفع : ترون هذا الخلق ؟ وأومأ بيده إلى موضع الطواف . ما منهم أحد أوجب له اسم الإنسانيّة ، إلّا ذلك الشيخ الجالس - يعني جعفر بن محمد - ( عليه السّلام ) فأمّا الباقون فرعاع وبهائم .
فقال : له ابن أبي العوجاء : وكيف أوجبت هذا الاسم لهذا الشيخ دون هؤلاء ؟
قال : لأنّي رأيت عنده ما لم أر عندهم .
فقال ابن أبي العوجاء : ما بدّ من اختبار ما قلت فيه منه .
فقال له ابن المقفّع : لا تفعل ، فإنّي أخاف أن يفسد عليك ما في يدك .
فقال : ليس ذا رأيك ، ولكنّك تخاف أن يضعف رأيك عندي ، في إحلالك
التمهيد في علوم القرآن — صفحة 242
مساهمون: الشيخ محمد هادي معرفة
ص٢٤٢