وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى
« 1 » . وقوله تعالى :
إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ
« 2 » . وقوله تعالى :
وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ
« 3 » : إنّما أراد تعالى بكلّ ذلك المؤمنين خاصة ! قال : وهذا باطل من وجهين ، أحدهما : تخصيص الآيات بلا برهان ، وما كان هكذا فهو باطل . والثاني : ان نص الآيات يمنع من التخصيص « 4 » ثم أخذ في الاستدلال بآيات ردا على تلك المزعومة .
قلت : ونحن قد أسلفنا - في مقدمة الفصل - البحث عن الهداية والضلال وان لا موقع للالجاء مع التكليف ، كما لا ملامة ولا ذم ولا عقاب ولا جزاء مع عدم الإرادة والاختيار ، وأنّ للهداية مراتب : أولى ووسطى ونهاية ، والوسطى اختيارية محضة واقعة بين هدايتين كانتا منحتين الهيتين . وبذلك استطعنا التوفيق بين الآيات الكريمة وله الحمد .
( ملحوظة ) قد يقال : لا مانع من حمل قوله تعالى :
يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ
على حقيقة الإضلال ، من غير تأويله إلى معنى الخذلان والحرمان . وذلك لأنّه تعالى إنما يزيد في ضلال العاتي المتمرد عقوبة على استكباره وعناده مع الحق الصريح . فهي عقوبة اكتسبها العاصي بيده ، فكان جديرا بهذا الجزاء المماثل
وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها
« 5 » .
لكنا إذا ما لاحظنا نجد من إمداد التائه في تيهه - مهما كان السبب - قباحة يستنكرها العقلاء في الأوساط المتحضرة ، ويستقبحون الاغراء بالجاهل المغرور ، زيادة في غيه وجهالته ، حتى ولو كان هو السبب في غروره وكان قد عاند الحق ولم يعر اهتمامه لنصح الناصحين ، إذ ليس من حكمة العقل ان يقوم الدليل بدفع التائه المغرور إلى مهاوي الهلكة بحجة جموحه عن قبول النصح .
فلنفرض أنّ انسانا معجبا بنفسه لم يستسلم لقيادة من كان يدله على
هامش
( 1 ) فصلت : 17 .
( 2 ) الانسان .
( 3 ) البلد : 10 .
( 4 ) الفصل في الملل والنحل : ج 3 ص 45 - 46 .
( 5 ) هذا ما قاله زميلنا العلّامة السيد مهدي الحسيني الروحاني دام إفضاله ، والآية 40 من سورة الشورى .