ظهرت بلسانه الأظهر مفرّقة في طول سنين
« وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا »
« 1 » .
وقد أخذ العلّامة الطباطبائي - قدس سره - هذا التأويل وزاد عليه تحقيقا ، قال : إنّ الكتاب ذا حقيقة أخرى وراء ما نفهمه بالفهم العادي ، وهي حقيقة ذات وحدة متماسكة لا تقبل تفصيلا ولا تجزئة ، لرجوعها إلى معنى واحد لا أجزاء فيه ولا فصول . وإنّما هذا التفصيل المشاهد في الكتاب طرأ عليه بعد ذلك الاحكام ، قال تعالى :
« كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ »
« 2 » . وقال تعالى :
« إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ . فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ . لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ »
« 3 » وقال :
« وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ »
« 4 » . . . إذن فالمراد بإنزال القرآن في ليلة القدر : إنزال حقيقة الكتاب المتوحّدة إلى قلب رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وآله ) دفعة ، كما أنزل القرآن المفصّل في فواصل وظروف ، على قلبه ( صلى اللّه عليه وآله ) أيضا تدريجا في مدّة الدعوة النبويّة . . . « 5 » .
أقول : هذا كلام لطيف ، لكنه لا يعدو تأويلا غير مستند إلى دليل ، والمسألة قبل كلّ شيء نقلية وليست بالعقلية النظريّة ، ومن ثم نتساءل هؤلاء الأعلام :
بم أوّلتم البيت المعمور الذي هو في السماء الرابعة - حسب روايات الخاصّة - أو بيت العزّة - حسب روايات العامة - إلى قلب رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وآله ) ؟ ! ولم هذا التعبير جاء في هذا اللفظ ؟ ! وسوف نناقش السيد العلّامة في اختيار وجود آخر للقرآن بسيط ، وراء هذا الوجود المفصّل ، سيأتي الكلام عليه في فصل المتشابهات إن شاء اللّه « 6 » .
هامش
( 1 ) الاسراء : 106 تاريخ القرآن : ص 10 .
( 2 ) هود : 1 .
( 3 ) الواقعة : 77 - 79 .
( 4 ) الأعراف : 52 .
( 5 ) تفسير الميزان : ج 2 ص 15 - 16 .
( 6 ) عند الكلام عن حقيقة التأويل في الجزء الثالث من الكتاب .