أمّا المحقّقون من العلماء فلم يرقهم الأخذ بما لا يمكن تعقّله ، ولا مقتضى للتعبّد بما لا يرجع إلى أصول العباديات ، ومن ثم أخذوا ينقدون هذه الأحاديث نقدا علميّا . متسائلين : ما هي الفائدة الملحوظة من وراء نزول القرآن جملة واحدة في إحدى السماوات العلى ، ثم ينزل تدريجيا على رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وآله ) ؟ ! * * * وإجابة على هذا السؤال ، قال الفخر الرازي : ويحتمل أن يكون ذلك تسهيلا على جبرئيل أو لمصلحة النبي ( صلى اللّه عليه وآله ) في توقّع الوحي من أقرب الجهات « 1 » .
وهذا الجواب غاية في الوهن والسقوط ، مضافا إلى أنّه تخرّص بالغيب ، ونستغرب صدور مثل هذا الكلام الفارغ من مثل هذا الرجل المضطلع بالتحقيق ! ! وقال المولى الفيض الكاشاني : وكأنّه أريد بذلك : نزول معناه على قلب النبيّ ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) ، كما قال تعالى :
« نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ . عَلى قَلْبِكَ »
. ثم نزل طول عشرين سنة نجوما من باطن قلبه إلى ظاهر لسانه ، كلّما أتاه جبرائيل ( عليه السلام ) بالوحي وقرأه عليه بألفاظه « 2 » .
فقد أوّل - رحمه اللّه - البيت المعمور إلى قلب رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) . وربّما أراد الصدوق ( رحمه اللّه ) أيضا هذا المعنى من قوله : وأعطى نبيّه العلم . جملة واحدة .
وهكذا وقع اختيار الشيخ أبي عبد اللّه الزنجاني في تأويل هذه الرواية ، قال : ويمكن أن نقول بانّ روح القرآن وهي أغراضه الكليّة التي يرمي إليها ، تجلّت لقلبه الشريف في تلك الليلة
« نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ »
ثم
هامش
( 1 ) تفسير الرازي : ج 5 ص 85 .
( 2 ) تفسير الصافي : ج 1 ص 42 .