تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الموسوعة القرآنية ( خصائص السور ) — صفحة 241

مساهمون:

ص٢٤١
وهذه استعارة ، والمراد بتوصيل القول ، واللّه أعلم ، إرداف بعضه ببعض ، وتكرير بعضه على أعقاب بعض ، مظاهرة للحجّة على سامعيه ، وإبعادا في منازع الاحتجاج على مخالفيه ، ليتذكّروا بعد الغفلة ، وينتبهوا من الرّقدة ؛ وذلك تشبيها بتوصيل الحبال بعضها ببعض ، عند إدلاء الدلو إلى الطّويّ البعيدة ، إلى أن يصل إلى الماء ، ويفضي إلى الرواء ، وهذا من دقيق المعاني . وقوله تعالى :
وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ
[ الآية 54 ] . وهذه استعارة ؛ لأنّ الحسنة والسّيئة ليستا بجسمين ، يصح دفع أحدهما بالآخر ؛ وإنّما المراد ، واللّه أعلم ، أنهم يختارون الأفعال الحسنة على الأفعال القبيحة ، فيكونون ، بذلك الاختيار ، كأنهم قد دفعوا السّيئات بالحسنات ، عكسا لرقابها ، وردّا على أعقابها ؛ وقد يجوز أن يكون أيضا معنى ذلك : أنهم يدفعون ضرر العقوبة بعاجلة التوبة ، لأنّ التوبة حسنة ، والعقوبة قد تسمّى سيّئة ، لأنها جزاء على السيئة ، ولأنها مضرّة وان لم تكن قبيحة . وقوله تعالى :
وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها
[ الآية 58 ] . وهذه استعارة ، والمراد بها أهل القرية ؛ والبطر سوء احتمال النعمة ، حتى يستقلع مغارسها ، ويستنزع ملابسها ؛ وقد مضت الإشارة إلى نظير ذلك ، فيما تقدّم . وقوله سبحانه :
وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا
[ الآية 59 ] . وهذه استعارة ، والمراد هاهنا بأمّ القرى مكّة على الأغلب ؛ وقال بعضهم المراد معظمها ، والمنظور إليها منها ، لأنّ ما هو دونها جار مجرى التّبع لها ، ومثل ذلك قوله تعالى :
لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها *
[ الأنعام : 92 والشورى : 7 ] ، يريد مكّة ، وإنما سمّيت مكة أمّ القرى ، لما ضمّته من بيت اللّه ، وحرمه ، ومهابط وحيه ، ومدارج أقدام رسله ( ع ) ؛ فصارت من أجل ما ذكرناه ، كأنها كبيرة القرى ، وصارت القرى بالإضافة إليها صغارا ، كصغر البنات إذا أضيفت إلى الأمهات . وقوله تعالى :
فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ
( 66 ) . وهذه استعارة ؛ والكلام وارد في وصف أحوال الآخرة ، لأنه سبحانه يقول أمام هذه الآية :
الموسوعة القرآنية ( خصائص السور ) — صفحة 241 | جعفر شرف الدين