تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الموسوعة القرآنية ( خصائص السور ) — صفحة 204

مساهمون:

ص٢٠٤
والاتباع له ، فميّلت « 1 » بين الامتناع والإجابة ، والمخاشنة والملاينة . فلما قوي في نفسها أمر الملاطفة عزمت على فعله ، فحسن أن يعبّر بقطع الأمر ، لما أشرنا إليه . وعلى هذا قول الرجل لصاحبه : لا أقطع أمرا دونك . أي لا أقرر العزم على شيء حتّى أفاوضك فيه ، وأوافقك عليه . وقد يجوز أن يكون ذلك كناية عن الاستعجال بفعل الأمر ، تشبيها بسرعة قطع الشيء المستدق كالحبل وغيره . ومنه قولهم : صرم الأمر . أي فرغ من فعله بسرعة . والصّريمة من ذلك . وفصل الأمر أيضا قريب منه . وقوله سبحانه :
أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ
[ الآية 40 ] . وهذه استعارة : لأن المراد بارتداد الطّرف هاهنا التقاء الجفنين بعد افتراقهما . وذلك أبلغ ما يوصف به في السرعة . وليس هناك على الحقيقة شيء ذهب عنه ، ثمّ رجع إليه . ولكن جفن العين لمّا كان ينفتح وينطبق ، أقام الانفتاح مقام الخروج ، والانطباق مقام الرجوع . وقيل : في ذلك وجه آخر ، وهو أنّ في مجرى عادة الناس ، أن يقول القائل لغيره ، إذا كان على انتظار أمر يرد عليه من جهته : أنا ممدود الطرف إليك ، وشاخص البصر نحوك . فإذا كان امتداد الطرف بمعنى الانتظار مستعملا ، جاز أن يجعل ارتداده عبارة عن زوال الانتظار . فكأنه قال : أنا آتيك به قبل أن تتكلّف أمر انتظار ، وتعدّ الأوقات . والقول الأول أولى بالاعتماد ، وأخلق بالصواب . وقوله تعالى :
بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ
( 66 ) وهذه استعارة . لأن العمى هنا ليس يراد به فقد الجارحة المخصوصة ، وإنّما يراد به التعامي عن الحق ، والذهاب صفحا عن النظر والفكر ، إمّا قصدا وتعمّدا ، أو جهلا وعمّى . وإنّما أجري الجهل مجرى العمى في هذا المعنى ، لأن كل واحد منهما يمنع بوجوده من إدراك الشيء على ما هو به . إذ الجهل مضادّ للعلم والمعرفة ، والعمى مناف للنظر والرؤية . وإنّما قال
هامش
( 1 ) . ميّلت : أي شكّت ، انظر القاموس المحيط ، مادة ميل .