تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الموسوعة القرآنية ( خصائص السور ) — صفحة 258

مساهمون:

ص٢٥٨
لقد علم الأيقاظ أخفية الكرى تزجّجها من حالك واكتحالها ومعناه لقد علم الأيقاظ عيونا . فجعل العين للنوم في أنها مشتملة عليه ، كالخفاء للقربة في أنه مشتمل عليها . وقول الشاعر : « أخفية الكرى » من الاستعارات العجيبة ، والبدائع الغريبة . وقوله : « تزجّجها من حالك واكتحالها » ، يعود على العيون ، كأنه قال تزجّج العيون واكتحالها من سواد الليل . وهذا لا يكون إلّا مع السهر وامتناع النوم ، لأن العيون حينئذ بانفتاحها تكون كالمباشرة لسواد الظلماء ، فيكون كالكحل لها . والتزجّج : اسوداد العينين من الكحل . يقال زجّجت « 1 » المرأة عينها وحاجبها . إذا سودتهما بالإثمد . وعلى التأويل الاخر يبعد الكلام عن طريق الاستعارة ، وهو أن يكون أكاد هاهنا بمعنى أريد ، كما قلنا فيما مضى « 2 » . ومن الشواهد على ذلك قول الشاعر : أمنخرم شعبان لم تقض حاجة من الحاج كنّا في الأصمّ « 3 » نكيدها أي كنا نريدها في رجب ، ويكون
أُخْفِيها
على موضوعه ، من غير أن يعكس عن وجهه . ويكون المعنى : إن الساعة آتية أريد أستر وقت مجيئها ، لما في ذلك من المصلحة . لأنه إذا كان المراد بإقامتها المجازاة على الأفعال ، والمؤاخذة بالأعمال ، كانت الحكمة في إخفاء وقتها ليكون الخلق في كلّ حين وزمان على حذر من مجيئها ، ووجل من بغتتها ، فيستعدّوا قبل حلولها ، ويمهّدوا قبل نزولها . ويقوّي ذلك قوله سبحانه :
لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى
( 15 ) .
هامش
( 1 ) . ومنه قول الشاعر الراعي النميري :إذا ما الغانيات برزن يوما * وزجّجن الحواجب والعيوناوهذا البيت من شواهد النحو في باب المفعول معه . انظر « أوضح المسالك ، إلى ألفية ابن مالك » الشاهد 259 . ( 2 ) . في الآية رقم 77 من سورة الكهف . ( 3 ) . الأصمّ : شهر رجب ، وسمي بذلك لأنه كان لا يسمع فيه صوت السلاح ، لكونه شهرا حراما . انظر لسان العرب . وقال الخليل : إنّما سمّي بذلك ، لأنه كان لا يسمع فيه صوت مستغيث ، ولا حركة قتال ولا قعقعة سلاح ، لأنه من الأشهر الحرم .
الموسوعة القرآنية ( خصائص السور ) — صفحة 258 | جعفر شرف الدين