ويستغرق قصص هؤلاء الرسل الكرام معظم السورة ، فتذكر قصة نوح وهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب وموسى ( ع ) . وطريقة العرض هنا تختلف عنها في سورة أخرى ، والحلقات التي تعرض من كل قصة تختلف كذلك لاختلاف السياق ، فيمتنع التكرار ، فيما يخيل أنه تكرار للقارئ العابر للقرآن الكريم .
هذا القصص الذي يستغرق معظم سورة هود : مرتبط كلّ الارتباط بما قبله وما بعده من السورة ، متناسق مع السياق حتى في التعبير اللفظي أحيانا ، فالقصة والمشهد والعظة والتعقيب تتناسق كلها تناسقا عجيبا ، وتكشف عن بعض وظيفة القصة في القرآن الكريم .
تبدأ سورة هود بقوله تعالى .
الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ( 1 ) أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ
( 2 ) .
وهذا المطلع ، يقرر أن المهمة الأولى للنبي هي الدعوة إلى توحيد اللّه ، وينذر بالعذاب من يكذّب بدعوة اللّه . ويبشّر بالنعيم من آمن بها .
وقصص السورة كله يساق لتوكيد هذين المعنيين ، فيرد في ألفاظ تكاد تكون واحدة يقولها كل رسول . وكأنما يقولها ويمضي ، حتّى يأتي أخوه فيقولها كذلك ويمضي ، والمكذّبون هم المكذّبون .
تبدأ قصة نوح بقوله تعالى :
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 25 ) أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ
( 26 ) .
ثمّ بقوله جلّ وعلا حكاية على لسان هود وصالح وشعيب ( ع ) :
يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ
[ الآية 50 ] .
يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ
[ الآية 61 ] .
يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ
[ الآية 84 ] .
ونهايات القصص كلّها ، هلاك المكذّبين وعقوبة المعتدين ، ووعيد لجميع المتكبّرين عن الإيمان بالحق ، والانقياد للعقيدة الصحيحة ، قال تعالى :
وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ
( 102 ) .