تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الموسوعة القرآنية ( خصائص السور ) — صفحة 266

مساهمون:

ص٢٦٦
وفي الحديث عن أنس بن مالك : من أحبّ أن يبسط له في رزقه ، وينسأ في أجله ، فليصل رحمه . والنّسء : التأخير يكون في العمر والدّين . ومن هذه الدلالة اللغوية ، أي : التأخير ، أخذ العرب الجاهليون مادة « النسيء » ، فصارت من رسومهم ومصطلحهم ، وإليها أشارت الآية الكريمة . 8 - وقال تعالى :
لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قاصِداً لَاتَّبَعُوكَ وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ
[ الآية 42 ] . العرض : ما عرض لك من منافع الدنيا . يقال : الدنيا عرض حاضر ، يأكل منه البرّ والفاجر ، أي : لو كان ما دعوا إليه غنما قريبا سهل المنال ، و « سفرا قاصدا » أي : وسطا مقاربا . أقول في قوله تعالى :
وَسَفَراً قاصِداً
لا أرى أن المراد به « الوسط المقارب » ، إذ لا يمكن أن يأتلف مع « العرض القريب » ، الذي يسبقه في الآية ، ولكني أرى أن يكون « السفر القاصد » هو ما يعبّر عنه في اللغة المعاصرة ب « السفر المباشر » ، وسنأتي إلى المباشر بعد هذا . ألا ترى أنه قال : إنهم سيتبعونك لو دعوتهم إلى مغنم قريب من عرض الدنيا ، وسفر مباشر ( يريد أقرب منه ) ، ولهرعوا إليك ؟ أقول : لو أن المعاصرين أطالوا النظر في كلمات اللّه ، لرأوا فيها ما يسدّ حاجاتهم اللغوية ، وما يضطربون فيه من مصطلح حديث . إنهم قالوا : سفر مباشر ، وبداية مباشرة ، وطريقة مباشرة ، كما قالوا سفر غير مباشر ، وبداية غير مباشرة ، وطريقة غير مباشرة ، ويريدون بالنمط الأول ما يشرع فيه على الفور أو في الحال ، وبالنمط الثاني ما لا يشرع فيه في الحال ، بل يتمهّل فيه ويتريّث . ولا أدري كيف فهموا « المباشرة » على هذا النحو ، ذلك بأن فصيح « المباشرة » أن تلي الأمر بنفسك . وعلى كل حال لا نستطيع أن نحمل وصف الشيء ب « المباشر » في عربيتنا المعاصرة على الخطأ ، ولكننا ، نقول : إنها لغة جديدة مولّدة ، أدّى إليها التطور في الدلالة ، وهذا شيء يعرض لجميع اللغات ، فقد تتغيّر المعاني ، فيظهر جديد ، ويختفي قديم .