تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الموسوعة القرآنية ( خصائص السور ) — صفحة 8

مساهمون:

ص٨
وصامتة ظاهرة وخفية ؛ وما فيه من تحوّلات وتقلّبات ونور وظلمات ؛ وهذه الحقيقة هي أن الإله الذي له ( الحمد ) المطلق والتنزيه الذي لا يحدّ هو اللّه ، لأنه هو الذي « خلق » وهو الذي « جعل » ؛ فالخلق إنشاء وإبداع ، والجعل تصريف وتقليب ؛ والعالم أجمع في دائرتيهما ؛ فلا ينفكّ شيء منه عن كلا هذين المظهرين : « خلق » و « جعل » . ومقتضى ذلك أنّ المخلوق المجهول ، لا يمكن أن يتسامى إلى مرتبة الخالق الجاعل فيعبد كما يعبد ، ويقصد كما يقصد ، ذلك هو مطلع السورة
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ
( 1 ) . وكل ما جاء في هذه السورة إنما هو بيان وتفصيل ، أو تمثيل وتطبيق على هذه الحقيقة ؛ أحيانا بصفة مباشرة ، وأحيانا بوسائط تقرّب أو تبعد . وهذا هو المعنى الذي يعبّر عنه بعض العلماء بأنه الحكم بتوحيد الألوهيّة استدلالا بوحدانيّة الربوبيّة ، وذلك في القرآن كثير . فأوّل فاتحة الكتاب :
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
( 2 ) . وأول الكهف :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ
. وأول فاطر :
الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا
. ولو ذهبنا نتتبّع هذا المعنى لأوغلنا في التتبّع ، ورأينا الكثير من الآيات ، فإن هذا هو أصل الأديان كلّها ؛ وهو الحقيقة الأولى ، كما تجلى ذلك في سورة الأنعام . وقد ساقت السورة عددا من الأدلّة على توحيد اللّه سبحانه ، فهي تلفت إلى مظاهر الملك التام ، والسلطان القاهر في الخلق والتصرّف الكامل ، والعلم المحيط فتقول :
قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ
[ الآية 12 ] .
وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
( 13 ) .
وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ
[ الآية 59 ] .
وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ
[ الآية 60 ] . وهي تلفت النظر إلى ملكوت السماوات والأرض ، وما خلق اللّه من