تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الموسوعة القرآنية ( خصائص السور ) — صفحة 279

مساهمون:

ص٢٧٩
اللَّهُ
[ الآية 284 ] ، وما يحدّث به الإنسان نفسه لا يأثم به ما لم يفعله ، إمّا لأنّه لا يمكن الاحتراز عنه في الوسع والطاقة ، أو بالحديث المشهور فيه ؟ قلنا : قيل أريد بالآية العموم ، ثمّ نسخ بقوله تعالى :
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
[ الآية 286 ] وقيل : لا نسخ فيه لأنّه خبر ، لا أمر أو نهي ، بل العموم غير مراد ، وإنّما المراد ما يمكن الاحتراز عنه ، وهو العزم القاطع والاعتقاد الجازم ، لا مجرّد حديث النفس والوسوسة . ولأنّ السّياق أخبر عن المحاسبة لا عن المعاقبة ، فهو سبحانه يوم القيامة يخبر العباد بما أبدوا وما أخفوا ، ليعلموا إحاطة علمه بجميع ذلك ؛ ثم يغفر لمن يشاء فضلا ، ويعذّب من يشاء عدلا ، كما أخبر جلّ وعلا في الآية . فإن قيل : أيّ شرف للرسول ( ص ) ، في مدحه بالإيمان ، مع أنّه في رتبة الرسالة ودرجتها ، وهي أعلى من درجة الإيمان ، فما الحكمة في قوله تعالى :
آمَنَ الرَّسُولُ
[ الآية 285 ] . قلنا : الحكمة فيه أن يبيّن للمؤمنين زيادة شرف الإيمان ، حيث مدح به خواصّه ورسله ؛ ونظيره في سورة الصافات قوله تعالى في خاتمة ذكر كلّ نبيّ
إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ *
( 81 ) [ الصافات ] . فإن قيل : روي عن ابن عباس أنّه قرأ : ( ملائكته وكتابه ) [ الآية 285 ] فسئل عن ذلك ، فقال كتاب أكثر من كتب فما وجهه ؟ قلنا : قيل فيه إنّه أراد أن الكتاب جنس ، والكتاب جمع ، والجنس أكثر من الجمع ، لأنّ حقيقته في الكل على ما ذهب إليه بعضهم ؛ ويردّ على هذا أن يقال : الكلام في الجمع المضاف ، والمفرد المضاف للاستغراق عرفا وشرعا ، كقوله لعبده : أكرم أصدقائي ، وأهن أعدائي ، وقوله : زوجاتي طوالق وعبيدي أحرار ، بخلاف قوله : صديقي وعدوي وعبدي وامرأتي ، فظهر أنّ الجمع المضاف أكثر . فإن قيل : إنّ « بين » لا تضاف إلّا إلى اثنين فصاعدا ، فلم قال تعالى :
لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ
[ الآية 285 ] ؟ قلنا : أحد هنا بمعنى الجمع ، الذي هو آحاد كقوله تعالى :
فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ
[ الحاقّة : 47 ] فإنّه ثم بمعنى الجمع بدليل قوله تعالى :
عَنْهُ حاجِزِينَ