تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الموسوعة القرآنية ( خصائص السور ) — صفحة 98

مساهمون:

ص٩٨
أقول استعمال « المدّ » في هذه الآية استعمال لطيف دقيق ، فهو غير « المدّ » المعروف بمعنى البسط ، وهو استعمال خاص بهذه اللغة الشريفة . قال الزمخشري « الكشاف 1 : 67 » :
وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ
[ الآية 15 ] : من مدّ الجيش وأمدّه إذا زاده ، وألحق به ما يقوّيه ويكثّره . وكذلك مدّ الدواة وأمدّها : زادها ما يصلحها . ومددت السرج والأرض : إذا استصلحتهما بالزيت والسماد . ومدّه الشيطان في الغيّ وأمدّه : إذا وأصله بالوساوس حتى يتلاحق غيّه انهماكا فيه . فإن قلت : لم زعمت أنه من المدد دون المدّ في العمر والإملاء والإمهال ؟ قلت : كفاك دليلا على أنه من المدد دون المدّ ، قراءة ابن كثير وابن محيصن : ( ويمدّهم ) ، وقراءة نافع :
وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ
، على أن الذي بمعنى أمهله إنما هو مدّ له مع اللام كأملى له . فإن قلت : فكيف جاز أن يوليهم اللّه مددا في الطغيان وهو فعل الشياطين ؟ ألا ترى إلى قوله تعالى :
وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ
[ الأعراف : 202 ] ؟ قلت : إما أن يحمل على أنهم لمّا منعهم اللّه ألطافه التي يمنحها للمؤمنين ، وخذلهم بسبب كفرهم وإصرارهم عليه ، بقيت قلوبهم بتزايد الرين والظلمة فيها ، تزايد الانشراح والنور في قلوب المؤمنين فسمى ذلك التزايد مددا . وأسند إليه سبحانه لأنه مسبب عن فعله بسبب كفرهم . وإما على منع القسر والإلجاء ، وإما على أن يسند فعل الشيطان إلى اللّه لأنه بتمكينه وإقداره ، والتخلية بينه وبين إغواء عباده . فإن قلت : فما حملهم على تفسير المدّ في الطغيان في الإمهال ، وموضوع اللغة كما ذكرت لا يطاوع عليه ؟ قلت استجرّهم إلى ذلك خوف الإقدام على أن يسندوا إلى اللّه ما أسندوا إلى الشياطين ، ولكن المعنى الصحيح ما طابقه اللفظ وشهد لصحته ، وإلا كان منه بمنزلة الأروى من النعام . وفي قوله تعالى :
وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ( 15 )
. العمة : مثل العمى . قال الزمخشري : « الكشّاف 1 : 69 » ، « والعمة مثل العمى ، إلّا أنّ العمى عامّ في البصر والرأي ، والعمة في الرأي
الموسوعة القرآنية ( خصائص السور ) — صفحة 98 | جعفر شرف الدين