[ 3 ] - قوله تعالى :
ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ
( 27 )
وقوله :
وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً
، فقد قال شيخنا أبو علي رحمه اللّه : أن الجعل قد يكون بغير معنى الخلق نحو قوله تعالى :
وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً
« 1 » ، لأنه ذمهم بذلك ، فليس المراد أنه خلقها قاسية ، ونحو قوله :
إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ
« 2 » ، لأن اللّه لم يخلقه خليفة وإنما صار خليفة بأمور وجدت بعد خلقه ، فمعنى قوله جعل في قلوبهم الإيمان أنه حكم بذلك ، وقوله :
وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا
« 3 » أي لا تحكم علينا بذلك ، وهذا نظير قوله :
وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً
( 23 ) « 4 » ، أي أنّا صيرناه بحيث لم ينتفعوا به كما لا ينتفعون بالهباء ، لا أنه خلقه هباء ، وقد يقول القائل لصاحبه جعلتني لصا إذا وصفه بذلك ، وقال تعالى :
وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً
« 5 » لأنهم وصفوهم بذلك ، وقد دللنا من قبل على أنه تعالى لم يخلق أفعال العباد فيجب أن يصرف ما أوردوه من الآية إلى هذا الوجه « 6 » .
هامش
( 1 ) رقم 13 سورة المائدة .
( 2 ) رقم 26 سورة ص 38 .
( 3 ) رقم 10 سورة الحشر 59 .
( 4 ) 23 سورة الفرقان 25 .
( 5 ) 19 سورة الزخرف 43 .
( 6 ) القاضي عبد الجبار : المغني . . . ج 8 / 312 .