بغير ألف ولام وهما كناية عن اسم سمي به المحدث عنه . وتلحقهما الألف واللام إذا كني بهما عن البهائم أي عن الأعلام التي مسماها ممن لا يعقلون . . فيقال ركبت الفلان وحلبت الفلانة . وكثيرا ما نقرأ : من فلان إلى فلان . . وقيل : إن أول من استعمل هذه الصيغة هو قس بن ساعدة الإيادي . . وكان من حكماء العرب . . وأعقل من سمع به منهم . . وهو أيضا أول من قال : أما بعد . . وينسب إليه قوله : البينة على من ادعى واليمين على من أنكر . وقد عمر هذا الرجل مائة وثمانين سنة . وضرب به المثل فيقال : فلان أبلغ من قس . وعن « ويلتا » قال سيبويه : إن النداء إنما يقع في هذه الأشياء على المبالغة إذا قلت : يا عجبا . . فكأنك قلت : يا عجب احضر فهذا أوانك وهو أبلغ من القول : هذا وقت العجب . و « يا ويلتا » كلمة تدعو بها العرب عند الهلاك . وقيل : يا عجبا مثل يا ويلتا : أي يا عجبي . يا ويلتي . . ومثلهما :
يا حسرتا : أي يا حسرتي . والألف فيهن منقلبة أو مبدلة من ياء الإضافة .
* *
لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً :
ورد هذا القول في الآية الكريمة الثانية والثلاثين . أي قال الكافرون : هلا أنزل هذا القرآن عليه دفعة واحدة ولم ينزل على حسب الحوادث فرد الله تعالى عليهم : لقد غفلوا عن أننا أنزلناه مفرقا على حسب الحوادث الطارئة لنقوي به فؤادك . أنزله تعالى مفرقا لأن نبيه الكريم محمدا - صلى الله عليه وسلم - كان أميا لا يقرأ ولا يكتب ولو ألقي عليه القرآن الكريم جملة واحدة لبعل « أي تحير - به وعيي بحفظه . . فلم يكن له بد من التلقن والتحفظ .
* *
وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا :
يقال : رسل قراءته : أي رتلها . ورسل في القراءة : بمعنى : رتل . . وبمعنى :
تأنى . . لأن المتلقن إنما يقوي قلبه على حفظ العلم شيئا فشيئا أي شيئا بعد شيء وجزءا عقب جزء . . هذا ما قاله الزمخشري في تفسيره لهذه الآية قال الرسول الكريم محمد - صلى الله عليه وسلم - : الماهر بالقرآن ، الجيد التلاوة مع الحفظ . . مع البررة الكرام . وزينوا القرآن بأصواتكم - أي بتحسين التلاوة - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : ما أذن الله لشيء كما أذن لنبي حسن الصوت بالقرآن يجهر به . والمراد بالقرآن : القراءة . ولا يجوز أن يحمل الاستماع - وهو معنى أذن الله - على الإصغاء إذ هو محال على الله تعالى . . بل هو كناية عن تقريبه وإجزال ثوابه لأن سماع الله عزّ وجل يختلف عن سماع البشر . يقال : أذنت له في كذا : أي أطلقت له فعله والاسم هو « الإذن » ويكون الأمر إذنا وكذا الإرادة . . نحو : بإذن الله . . ويقال أذنت للشيء أذنا : أي استمعت . وفي رواية : ما أذن الله لشيء كأذنه لنبي يتغنى بالقرآن . قال الفيومي في تفسير هذا الحديث : قال الأزهري : أخبرني عبد الملك البغوي عن الربيع عن الشافعي أن معناه : تحزين القراءة وترقيقها وتحقيق ذلك في الحديث الآخر : « زينوا القرآن بأصواتكم » وهكذا فسره أبو عبيد . فالحديث المشابه « ليس منا من لم يتغن بالقرآن » قال الأزهري : قال سفيان بن عيينة : معناه : ليس منا من لم يستغن . ولم يذهب به إلى معنى الصوت . قال أبو عبيد :
هو فاش « منتشر » في كلام العرب . يقولون : تغنيت تغنيا وتغانيت تغانيا : بمعنى :
استغنيت . فالأول يكون في الغنى مقصورا والثاني من الغناء ممدودا فأفهمه هذا لفظه والغناء مثل كلام الاكتفاء وليس عنده غناء : أي ما يغتني به . يقال : غينت بكذا عن غيره - من باب تعب - إذا استغنيت به فأنا غني والغناء : هو الصوت . وقياسه ضم الغين لأنه صوت . وغني الرجل : أي ترنم بالغناء .