تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأساس في التفسير — صفحة 6346

مساهمون:

ص٦٣٤٦
الحياة . . . وكل هذا يتم بطريقة عجيبة لا يدرك الإنسان كنهها ، ولا نصيب لإرادته فيها ؛ ولا يمكن أن يعرف كيف تتم في كيانه . فهو في حالة الصحو لا يعرف كيف يكون وهو في حالة النوم . وهو في حالة النوم لا يدرك هذه الحالة ولا يقدر على ملاحظتها ! وهي سر من أسرار تكوين الحي لا يعلمه إلا من خلق هذا الحي وأودعه ذلك السر ؛ وجعل حياته متوقفة عليه . فما من حي يطيق أن يظل من غير نوم إلا فترة محدودة . فإذا أجبر إجبارا بوسائل خارجة عن ذاته كي يظل مستيقظا فإنه يهلك قطعا . وفي النوم أسرار غير تلبية حاجة الجسد والأعصاب . . . إنه هدنة الروح من صراع الحياة العنيف ، هدنة تلم بالفرد فيلقي سلاحه وجنته - طائعا أو غير طائع - ويستسلم لفترة من السلام الآمن ، السلام الذي يحتاجه الفرد حاجته إلى الطعام والشراب . ويقع ما يشبه المعجزات في بعض الحالات حيث يلم النعاس بالأجفان ، والروح مثقل ، والأعصاب مكدودة ، والنفس منزعجة ، والقلب مروع . وكأنما هذا النعاس - وأحيانا لا يزيد على لحظات - انقلاب تام في كيان هذا الفرد . وتجديد كامل لا لقواه بل له هو ذاته ، وكأنما هو كائن حين يصحو جديد . . . ولقد وقعت هذه المعجزة بشكل واضح للمسلمين المجهودين في غزوة بدر وفي غزوة أحد ، وامتن الله عليهم بها . وهو يقول :
إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ
. . .
ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ
. . . كما وقعت للكثيرين في حالات مشابهة ! فهذا السبات : أي : الانقطاع عن الإدراك والنشاط بالنوم ضرورة من ضرورات تكوين الحي ؛ وسر من أسرار القدرة الخالقة ؛ ونعمة من نعم الله لا يملك إعطاءها إلا إياه . وتوجيه النظر إليها على هذا النحو القرآني ينبه القلب إلى خصائص ذاته ، وإلى اليد التي أودعتها كيانه ، ويلمسه لمسة تثير التأمل والتدبر والتأثر ) . 3 - بمناسبة قوله تعالى :
فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً
قال ابن كثير : ( قال قتادة عن أبي أيوب الأزدي عن عبد الله بن عمرو قال : لم ينزل على أهل النار آية أشد من هذه الآية
فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً
قال : فهم في مزيد من العذاب أبدا ) . أقول : وفي الآية رد على من ذهب إلى أن أهل النار يموتون أو ينتهي عذابهم ، أو يصبحون في وضع يستلذون به العذاب ، نسأل الله أن يميتنا على الفهم الفطري الصافي لكتاب الله الذي يحبه ويرضاه ، ويكرم أهله بكرامة الدارين . 4 - بمناسبة قوله تعالى :
يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ