تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأساس في التفسير — صفحة 5552

مساهمون:

ص٥٥٥٢
أقول : وفي ختم الآيتين السابقتين بقوله تعالى :
بَلْ لا يُوقِنُونَ
التي تشير من خلال اتجاهنا في هذا التفسير إلى قوله تعالى في محور السورة
وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ
نفهم أن الموضوع مرتبط بقضية اليوم الآخر ، فإن عدم يقينهم باليوم الآخر أو أوصلهم إلى مواقف تجعلهم يقولون إنهم خلقوا من غير شئ ، أو هم الخالقون لأنفسهم ، أو الخالقون للسماوات والأرض ، ومن ثم يتكبرون عن العبادة والتقوى ، وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويتعاملون ويتكلمون كأنهم أرباب ، وهذا الذي نراه في عصرنا على أشده ، إذ نرى الإنسان الكافر يعتبر نفسه غير مكلف ، وغير مسؤول أمام الله ، ويتعامل ويتكلم كأنه رب ، وفي قوله تعالى :
بَلْ لا يُوقِنُونَ
إشارة إلى أن هؤلاء عندهم ريب ، وهذا يحول بينهم وبين التقوى ، إذ شرط التقوى عدم الريب في أمور بعينها ، كما ورد في المحور :
ألم * ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
ولنعد إلى السياق : . . .
أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ
قال النسفي : ( أي ) من النبوة والرزق وغيرهما ؛ فيخصوا من شاءوا بما شاءوا . وقال ابن كثير : أي أهم يتصرفون في الملك وبيدهم مفاتيح الخزائن .
أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ
قال النسفي : ( أي ) الأرباب الغالبون حتى يدبروا أمر الربوبية ، ويبنوا الأمور على مشيئتهم ، وقال ابن كثير : ( أي المحاسبون للخلائق ، ليس الأمر كذلك ؛ بل الله عزّ وجل هو المالك المتصرف الفعال لما يريد ) . أقول : وعلى هذا فالآية فيها إنكار على اعتراضهم على الله ، واستغنائهم عنه وادعائهم العملي أو النظري أنهم أرباب - وهو محور الفلسفة الوجودية في عصرنا - وإذا كان الأمر في كل ما مر ليس كما قالوا ، وإذ كانوا هم أنفسهم لا يجرءون أن يدعوا ذلك دعوى نظرية كلامية ، فلم يبق لانصرافهم عن التقوى والعبادة مبرر ، فهل لهم مبررات أخرى ؟ وإذا كانت فما هي ؟ هذا ما ستذكره الآيات اللاحقة :
أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ
منصوب يرتقون به إلى السماء
يَسْتَمِعُونَ فِيهِ
كلام الملائكة ، وما يوحى إليهم من علم الغيب ؛ فيتصرفون بناء على ذلك على خلاف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب وحي آخر عن الله
فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ
أي :
الأساس في التفسير — صفحة 5552 | سعيد حوى