تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأساس في التفسير — صفحة 5422

مساهمون:

ص٥٤٢٢
المفارقة بين الصورة الإيمانية التي في حسه ، والصورة الواقعية من حوله ؛ لأن هذه المفارقة تؤذيه وتصدمه في كل لحظة . ومن هنا كان هذا الانطلاق إلى الجهاد في سبيل اللّه بالمال والنفس . فهو انطلاق ذاتي من نفس المؤمن . يريد به أن يحقق الصورة الوضيئة التي في قلبه ؛ ليراها ممثلة في واقع الحياة والناس . والخصومة بين المؤمن وبين الحياة الجاهلية من حوله خصومة ذاتية ناشئة من عدم استطاعته حياة مزدوجة بين تصوره الإيماني ، وواقعه العملي . وعدم استطاعته كذلك التنازل عن تصوره الإيماني الكامل الجميل المستقيم في سبيل واقعه العملي الناقص الشائن المنحرف . فلا بد من حرب بينه وبين الجاهلية من حوله ، حتى تنثني هذه الجاهلية إلى التصور الإيماني والحياة الإيمانية .
أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ
. الصادقون في عقيدتهم . الصادقون حين يقولون : إنهم مؤمنون . فإذا لم تتحقق تلك المشاعر في القلب ، ولم تتحقق آثارها في واقع الحياة ، فالإيمان لا يتحقق . والصدق في العقيدة وفي ادعائها لا يكون ) . وبتطبيقنا هذا الميزان الذي ورد في الآية على كل من يقول إنه مسلم نجد أن كثيرين ممن يدّعون الإيمان تشبه دعواهم دعوة الأعراب ، ويبدو أن كثيرين من الناس حتى بعد ذكر ميزان الإيمان سيجادلون وسيدّعون ، وسيبررون تركهم للجهاد بالمال والنفس ، مع رغبتهم بالاحتفاظ باسم الصلاح والصدق والإيمان ، ومن ثم جاء بعد ذلك قوله تعالى
قُلْ أَ تُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ
» قال النسفي : أي أتخبرونه بتصديق قلوبكم ، وقال ابن كثير : أي أتخبرونه بما في ضمائركم
وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
أي : لا يخفى عليه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر
وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
ومن ذلك علمه بالإيمان والإخلاص وغير ذلك ، ثم بيّن تعالى أن من جملة ما يفعله هؤلاء الذين يدّعون مقاما لم يصلوا إليه أنهم يمنّون على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بدخولهم في الإسلام ، مما يشير إلى أنّ المنّ بالدخول في الإسلام يرافق عدم تمكن الإيمان
يَمُنُّونَ عَلَيْكَ
أي : يمنّ هؤلاء الأعراب عليك
أَنْ أَسْلَمُوا
أي : بأن أسلموا ، أي : بإسلامهم . قال النسفي : والمنّ : ذكر الأيادي تعريضا للشكر ، يقول اللّه تعالى ردا عليهم
قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ
فإنّ نفع ذلك إنما يعود عليكم ، وللّه المنة عليكم فيه
بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ
أي : بل للّه المنّة عليكم بأن - أو لأن - هداكم للإيمان
إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
أي في ادّعائكم الإيمان باللّه فلله المنة عليكم ، ثم كرر تعالى بهذه المناسبة الإخبار بعلمه بجميع الكائنات وبصره بأعمال المخلوقات ، ومن ذلك صدق الصادقين فقال
إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ