عنه ، وأما ابن مسعود رضي اللّه عنه فإنه لم يكن مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم حال مخاطبته للجن ودعائه إياهم ، وإنما كان بعيدا منه ولم يخرج مع النبي صلّى اللّه عليه وسلم أحد سواه ، ومع هذا لم يشهد حال المخاطبة ، هذه طريقة البيهقي . وقد يحتمل أن يكون أول مرة خرج إليهم لم يكن معه صلّى اللّه عليه وسلم ابن مسعود رضي اللّه عنه ولا غيره ، كما هو ظاهر سياق الرواية الأولى من طريق الإمام أحمد وهي عند مسلم ، ثم بعد ذلك خرج معه ليلة أخرى - واللّه أعلم - كما روى ابن أبي حاتم في تفسير
قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ
من حديث ابن جريج قال : عبد العزيز بن عمر : أما الجن الذين لقوه بنخلة فجنّ نينوى ، وأما الجن الذين لقوه بمكة فجنّ نصيبين ، وتأوله البيهقي على أنه يقول : فبتنا بشر ليلة بات بها قوم على غير ابن مسعود رضي اللّه عنه ممن لم يعلم بخروجه صلّى اللّه عليه وسلم إلى الجن ، وهو محتمل على بعد واللّه أعلم . وقد روى الحافظ أبو بكر البيهقي عن سعيد بن عمرو قال كان أبو هريرة رضي اللّه عنه يتبع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بإداوة لوضوئه وحاجته فأدركه يوما فقال : « من هذا ؟ » قال : أنا أبو هريرة قال صلّى اللّه عليه وسلم : « ائتني بأحجار أستنج بها ولا تأتني بعظم ولا روثة » فأتيته بأحجار في ثوبي فوضعتها إلى جنبه حتى إذا فرغ وقام اتبعته فقلت : يا رسول اللّه ما بال العظم والروثة ؟ قال صلّى اللّه عليه وسلم : « أتاني وفد جن نصيبين فسألوني الزاد فدعوت اللّه تعالى لهم أن لا يمروا بروثة ولا عظم إلا وجدوه طعاما » أخرجه البخاري في صحيحه ، فهذا يدل - مع ما تقدم - على أنهم وفدوا عليه بعد ذلك . وسنذكر إن شاء اللّه تعالى ما يدل على تكرار ذلك . وقد روي عن ابن عباس غير ما روي عنه أولا من وجه جيد فروى ابن جرير عن عكرمة عن ابن عباس رضي اللّه عنهما في قوله تعالى
وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ
الآية قال : كانوا سبعة نفر من أهل نصيبين فجعلهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم رسلا إلى قومهم . فهذا يدل على أنه قد روى القصتين . وروى ابن أبي حاتم عن ابن جريج عن مجاهد
وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ
الآية قال : كانوا سبعة نفر :
ثلاثة من أهل حران ، وأربعة من أهل نصيبين ، وكانت أسماؤهم حسى وحسى ومنسى وساصر وناصر والأرد وبيان والأحتم ، وذكر أبو حمزة الثمالي أن هذا الحي من الجن كان يقال لهم : بنو الشيصبان وكانوا أكثر الجن عددا وأشرفهم نسبا ، وهم كانوا عامة جنود إبليس وروى سفيان الثوري عن ابن مسعود رضي اللّه عنه : كانوا تسعة ، أحدهم زوبعة أتوه في أصل نخلة ، وتقدم عنهم أنهم كانوا خمسة عشر ، وفي رواية أنهم كانوا على ستين راحلة ، وتقدم عنه أن اسم سيدهم وردان وقيل : كانوا ثلاثمائة وتقدم عن عكرمة أنهم كانوا اثني عشر ألفا . فلعل هذا الاختلاف دليل على تكرر وفادتهم عليه صلّى اللّه عليه وسلم ، ومما يدل