تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأساس في التفسير — صفحة 5139

مساهمون:

ص٥١٣٩
متاع زائل ، لا يتجاوز حدود هذه الدنيا . ومتاع زهيد يليق بالحياة الدنيا .
وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ
. . وهؤلاء هم المكرمون عند اللّه بتقواهم ، فهو يدخر لهم ما هو أكرم وأبقى ، ويؤثرهم بما هو أقوم وأغلى ، ويميزهم على من يكفر بالرحمن ، ممن يبذل لهم من ذلك المتاع الرخيص ما يبذله للحيوان ! . وإن عرض الحياة الدنيا الذي ضرب اللّه له بعض الأمثال من المال والزينة والمتاع ليفتن الكثيرين . وأشد الفتنة حين يرونه في أيدي الفجار ، ويرون أيادي الأبرار منه خالية ، أو يرون هؤلاء في عسر أو مشقة أو ابتلاء ، وأولئك في قوة وثروة وسطوة واستعلاء . واللّه يعلم وقع هذه الفتنة في نفوس الناس . ولكنه يكشف لهم عن زهادة هذه القيم وهوانها عليه ، ويكشف لهم كذلك عن نفاسة ما يدخره للأبرار الأتقياء عنده . والقلب المؤمن يطمئن لاختيار اللّه للأبرار وللفجار . وأولئك الذين كانوا يعترضون على اختيار اللّه لرجل لم يؤت شيئا من عرض هذه الحياة الدنيا ، ويقيسون الرجال بما يملكون من رئاسة ، أو بما يملكون من مال . يرون من هذه الآيات هوان هذه الأعراض وزهادتها عند اللّه . وأنها مبذولة لشر خلق اللّه وأبغضهم عند اللّه . فهي لا تدل على قربى منه ولا تنبئ عن رضى ، ولا تشي باختيار . وهكذا يضع القرآن الأمور في نصابها ، ويكشف عن سنن اللّه في توزيع الأرزاق في الدنيا والآخرة ، ويقرر حقيقة القيم كما هي عند اللّه ثابتة . وذلك في صدد الرد على المعترضين على رسالة محمد صلّى اللّه عليه وسلم واختياره . واطراح العظماء المتسلطين ! . وهكذا يرسي القواعد الأساسية والحقائق الكلية التي لا تضطرب ولا تتغير ، ولا تؤثر فيها تطورات الحياة ، واختلاف النظم ، وتعدد المذاهب ، وتنوع البيئات . فهناك سنن للحياة ثابتة ، تتحرك الحياة في مجالها ، ولكنها لا تخرج عن إطارها . والذين تشغلهم الظواهر المتغيرة عن تدبر الحقائق الثابتة ، لا يفطنون لهذا القانون الإلهي ، الذي يجمع بين الثبات والتغير في صلب الحياة وفي أطوار الحياة ، ويحسبون أن التطور والتغير يتناول حقائق الأشياء كما يتناول أشكالها . ويزعمون أن التطور المستمر يمتنع معه أن تكون هناك قواعد ثابتة لأمر من الأمور ، وينكرون أن يكون هناك قانون ثابت غير قانون التطور المستمر . فهذا هو القانون الوحيد الذي يؤمنون بثباته ! فأما نحن - أصحاب العقيدة الإسلامية - فنرى في واقع الحياة مصداق ما يقرره اللّه من وجود الثبات والتغير