تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأساس في التفسير — صفحة 4238

مساهمون:

ص٤٢٣٨
عن المجاهدة ، فالطريق إذن مجاهدة ، يكافئ اللّه عليها بهداية . وهداية يكافئ اللّه عليها بتقوى ، فنقطة البداية إذن مجاهدة النفس ، ولا شك أنّ ممّا يعين على مجاهدة النفس تلاوة القرآن ، والصلاة ، والذكر . قال عليه الصلاة والسلام لمن سأله مرافقته في الجنة : « أعني على نفسك بكثرة السجود » وكثرة السجود تعني كثرة الصلاة ، وكثرة الصلاة تعني كثرة الذكر ، وقراءة القرآن . تأمّل معي الآن مقدمة سورة البقرة :
ألم * ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ .
ألست تجد في هذه الآيات وصفا للتقوى وأهلها وأركانها ؟ فإذا كان الأمر كذلك ، وكان الطريق إلى التقوى هو مجاهدة النفس كما رأينا ، فإنّ ذلك وحده كاف للتدليل على مجموعة أمور : 1 - على صلة سورة العنكبوت بالآيات الأولى من سورة البقرة . 2 - وعلى أنّ سورة العنكبوت تعتبر درسا في موضوع التحقق بالتقوى . ولعلّك بذلك تدرك مظهرا من مظاهر الكمال في هذا القرآن وسرا من أسرار الإعجاز . وبمناسبة الكلام عن آية المجاهدة نقول : إن ختم الآية بقوله تعالى :
وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ
يفيد أنه بقدر ما يكون الإحسان يكون التوفيق والفتح والهداية .

14 - [ كلام المؤلف حول الصلة بين آية المجاهدة وبين موضوعات سورة العنكبوت الأخرى ]

سورة العنكبوت مكية ، والجهاد المفروض في مكة هو جهاد النفس وجهاد الكافرين باللسان ، ثم فرض اللّه الجهاد باليد في المدينة ، والملاحظ أن كلمة الجهاد التي وردت مرّتين في سورة العنكبوت لم تقيّد بنوع من أنواع الجهاد . ممّا يشير إلى أنّ كلّ ما يدخله اللّه تحت كلمة الجهاد يدخل في ذلك ، ولكن تبقى مجاهدة النفس هي المراد الأول في الآية ، ولا شك أن الجهاد باليد هو نوع من مجاهدة النفس إذ إنّ حمل النفس على الموت في سبيل اللّه من أعظم أنواع المجاهدة ، ومن هذا ندرك أنّ المؤمن لا يصدق في إيمانه إلا بجهاد : للنفس وللشيطان ولأعداء اللّه ، وهذا الذي يدل عليه الحديث الصحيح : « ما من نبي بعثه اللّه في أمّة قبلي إلا كان له من أمّته حواريون