تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأساس في التفسير — صفحة 4223

مساهمون:

ص٤٢٢٣
يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ .
إن مقدّمة السورة عرضت علينا ظنا خاطئا يمكن أن يقع فيه بعض المؤمنين . وعرضت علينا ظنا خاطئا يقع فيه الكافرون ، وسارت السورة كما رأينا حتى وصلت إلى الآيات الثلاث ، لتعرض علينا كيف أنّ الكافرين يستعجلون بالعذاب الذي وعدوا به ، وكيف أنّ هذا العذاب آت لا محالة . وفي ذلك درس لأهل الإيمان أن يتحمّلوا لأداء المحنة ، لأنّها مهما كانت قاسية فعذاب اللّه في الآخرة أشدّ ، وهكذا نجد أنّ هذه الآيات تؤدّي أكثر من دور في محلّها . وإذ وصل السياق إلى ما وصل إليه ، فإن آيات تأتي الآن تخاطب المؤمنين خطابا مباشرا ، فيه إشارة إلى الهجرة ، ومحلّ ذلك في سياق السورة التي تتحدث عن الامتحان لا يخفى ؛ فالهجرة قد تكون فرض المحنة ، أو أثرا عنها ، وهي في نفسها نوع امتحان ، إذا اضطر إليها المؤمنون . فلنر الآيات :
يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ .
قال ابن كثير : ( هذا أمر من اللّه تعالى لعباده المؤمنين بالهجرة من البلد الذي لا يقدرون فيه على إقامة الدين ، إلى أرض اللّه الواسعة ، حيث يمكن إقامة الدين ، بأن يوحّدوا اللّه ، ويعبدوه كما أمرهم ) . وقال النسفي : ( يعني أن المؤمن إذا لم يتسهّل له العبادة في بلد هو فيه ، ولم يتمشّ له أمر دينه ، فليهاجر عنه إلى بلد يقدّر أنّه فيه أسلم قلبا ، وأصحّ دينا ، وأكثر عبادة . . . ) فالمعنى : إنّ أرضي واسعة فإن لم تخلصوا العبادة لي في أرض ، فأخلصوها في غيرها . وإن لم تستطيعوا العبادة في أرض ، فهاجروا إلى أخرى
كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ
أي واجدة مرارته وكربه كما يجد الذائق طعم المذوق ، وهذا تشجيع للنفس على الهجرة ، لأنّ النّفس إذا تيقنت بالموت سهل عليها مفارقة وطنها
ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ
بعد الموت للثواب والعقاب . قال ابن كثير في الآية : ( أي أينما كنتم يدرككم الموت ؛ فكونوا في طاعة اللّه ، وحيث أمركم اللّه ، فهو خير لكم ، فإنّ الموت لا بدّ منه ، ولا محيد عنه ، ثمّ إلى اللّه المرجع والمآب ، فمن كان مطيعا له جازاه أفضل الجزاء ، ووافاه أتمّ الثواب ، ولهذا قال تعالى :
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ
أي لننزلنهم
مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً
أي منازل عالية في الجنة
تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ
على اختلاف أصنافها من ماء وخمر وعسل ولبن ، يصرّفونها ويجرونها حيث شاءوا ، كما قال ابن كثير
خالِدِينَ فِيها
أي ماكثين فيها
الأساس في التفسير — صفحة 4223 | سعيد حوى