تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأساس في التفسير — صفحة 4252

مساهمون:

ص٤٢٥٢
الْأَرْضِ . . . :
( بدأت السورة بالأحرف المقطعة : ( ألف . لام . ميم ) التي اخترنا في تفسيرها أنها للتنبيه إلى أن هذا القرآن - ومنه هذه السورة - مصوغ من مثل هذه الأحرف ، التي يعرفها العرب ؛ وهو مع هذا معجز لهم ، لا يملكون صياغة مثله ، والأحرف بين أيديهم ، ومنها لغتهم . ثم جاءت النبوءة الصادقة الخاصة بغلبة الروم في بضع سنين . وقد روى ابن جرير - بإسناده - عن عبد اللّه بن مسعود - رضي اللّه عنه - قال : كانت فارس ظاهرة على الروم . وكان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم ؛ وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس ، لأنهم أهل كتاب ، وهم أقرب إلى دينهم . فلما نزلت :
ألم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ .
قالوا : يا أبا بكر . إن صاحبك يقول : إن الروم تظهر على فارس في بضع سنين . قال : صدق . قالوا : هل لك أن نقامرك ؟ فبايعوه على أربع قلائص إلى سبع سنين . فمضت السبع ولم يكن شئ . ففرح المشركون بذلك ، فشق على المسلمين ؛ فذكر ذلك للنبي - صلّى اللّه عليه وسلم - فقال : « ما بضع سنين عندكم ؟ » قالوا : دون العشر . قال : « اذهب فزايدهم وازدد سنتين في الأجل » . قال : فما مضت السنتان حتى جاءت الركبان بظهور الروم على فارس . ففرح المؤمنون بذلك . وقد وردت في هذا الحادث روايات كثيرة اخترنا منها رواية الإمام ابن جرير . وقبل أن نتجاوز الحادث إلى ما وراءه في السورة من التوجيهات نحب أن نقف أمام بعض إيحاءاته القوية . وأول هذه الإيحاءات ذلك الترابط بين الشرك والكفر في كل مكان وزمان أمام دعوة التوحيد والإيمان . ومع أن الدول قديما لم تكن شديدة الاتصال . والأمم لم تكن وثيقة الارتباط كما هو الشأن في عصرنا الحاضر . مع هذا فإن المشركين في مكة كانوا يحسّون أن انتصار المشركين في أي مكان على أهل الكتاب هو انتصار لهم ، وكان المسلمون كذلك يحسون أن هناك ما يربطهم بأهل الكتاب ، وكان يسوءهم أن ينتصر المشركون في أي مكان ؛ وكانوا يدركون أن دعوتهم وأن قضيتهم ليست في عزلة عما يجري في أنحاء العالم من حولهم ، ويؤثّر في قضية الكفر والإيمان . وهذه الحقيقة البارزة هي التي يغفل عنها الكثيرون من أهل زماننا ، ولا ينتبهون إليها كما انتبه المسلمون والمشركون في عصر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم منذ حوالي أربعة عشر
الأساس في التفسير — صفحة 4252 | سعيد حوى