تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأساس في التفسير — صفحة 3262

مساهمون:

ص٣٢٦٢
لقد جرت سنّة اللّه التي وضعها لامتداد الحياة بالتناسل من ذكر وأنثى في جميع الفصائل والأنواع بلا استثناء ، حتى المخلوقات التي لا يوجد فيها ذكر وأنثى متميزان تتجمع في الفرد الواحد منها خلايا التذكير والتأنيث . . جرت هذه السنة أحقابا طويلة حتى استقر في تصور البشر أن هذه هي الطريقة الوحيدة ، ونسوا الحادث الأول . حادث وجود الإنسان لأنه خارج عن القياس . فأراد اللّه أن يضرب لهم مثل عيسى بن مريم - عليه السلام - ليذكرهم بحرية القدرة وطلاقة الإرادة ، وأنها لا تحبس داخل النواميس التي تختارها . ولم يتكرر حادث عيسى لأن الأصل هو أن تجري السنة التي وضعها اللّه ، وأن ينفذ الناموس الذي اختاره . وهذه الحادثة الواحدة تكفي لتبقى أمام أنظار البشرية معلما بارزا على حرية المشيئة ، وعدم احتباسها داخل حدود النواميس
وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ .
ونظرا لغرابة الحادث وضخامته فقد عز على فرق من الناس أن تتصوره على طبيعته ، وأن تدرك الحكمة في إبرازه ، فجعلت تضفي على عيسى بن مريم - عليه السلام - صفات الألوهية ، وتصوغ حول مولده الخرافات والأساطير ، وتعكس الحكمة من خلقه على هذا النحو العجيب - وهي إثبات القدرة الإلهية التي لا تتقيد - تعكسها فتشوه عقيدة التوحيد . والقرآن في هذه السورة يقص كيف وقعت هذه العجيبة ، ويبرز دلالتها الحقيقية ، وينفي تلك الخرافات والأساطير ) .

التفسير :

وَاذْكُرْ
يا محمد
فِي الْكِتابِ
القرآن
مَرْيَمَ
أي قصة مريم
إِذِ انْتَبَذَتْ
أي اعتزلت . أي اذكر وقت اعتزالها
مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا
أي تخلت للعبادة في مكان ما شرقي بيت المقدس ، أو شرقي دارها معتزلة عن الناس
فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً
أي جعلت بينها وبين أهلها حجابا . أي استترت منهم وتوارت
فَأَرْسَلْنا
المرسل هو اللّه
إِلَيْها رُوحَنا
أي جبريل عليه السلام وإضافة الروح إلى اللّه للتشريف . وإنما سمي روحا لأن الدين يحيا به وبوحيه
فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا
فتمثل لها جبريل على صورة إنسان تام كامل مستوى الخلق . قال النسفي : وإنما مثّل لها في صورة الإنسان لتستأنس بكلامه ولا تنفر عنه ، ولو بدا لها في صورة الملائكة لنفرت ولم تقدر على الاستماع
قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا
أي إن كنت