تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأساس في التفسير — صفحة 3011

مساهمون:

ص٣٠١١
بالحجة . فأما إذا وقع الاعتداء على أهل الدعوة فإن الموقف يتغير ، فالاعتداء عمل مادي يدفع بمثله إعزازا لكرامة الحق ، ودفعا لغلبة الباطل ، على ألا يتجاوز الرد على الاعتداء حدوده إلى التمثيل والتفظيع ، فالإسلام دين العدل والاعتدال ،
وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ .
فالدفع عن الدعوة في حدود القصد والعدل يحفظ لها كرامتها وعزتها ، فلا تهون في أنفس الناس . والدعوة المهينة لا يعتنقها أحد ولا يثق أنها دعوة اللّه . فاللّه لا يترك دعوته مهينة لا تدفع عن نفسها ، والمؤمنون باللّه لا يقبلون الضيم وهم دعاة للّه ، والعزة للّه جميعا . ثم إنهم أمناء على إقامة الحق في هذه الأرض وتحقيق العدل بين الناس ، وقيادة البشرية إلى الطريق القويم ، فكيف ينهضون بهذا كله وهم يعاقبون فلا يعاقبون ، ويعتدى عليهم فلا يردون ؟ ! . ومع تقرير قاعدة القصاص بالمثل ، فإن القرآن الكريم يدعو إلى العفو والصبر ، حين يكون المسلمون قادرين على دفع الشر ووقف العدوان ، في الحالات التي قد يكون العفو فيها الصبر أعمق أثرا ، وأكثر فائدة للدعوة . فأشخاصهم لا وزن لها إذا كانت مصلحة الدعوة تؤثر العفو والصبر . فأما إذا كان العفو والصبر يهينان دعوة اللّه ويرخصانها ، فالقاعدة الأولى هي الأولى . ولأن الصبر يحتاج إلى مقاومة للانفعال ، وضبط للعواطف ، وكبت للفطرة ، فإن القرآن يصله باللّه ويزين عقباه :
وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ * وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ .
فهو الذي يعين على الصبر وضبط النفس ، والاتجاه إليه هو الذي يطامن من الرغبة الفطرية في رد الاعتداء بمثله والقصاص له بقدره . ويوصي القرآن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم - وهي وصية لكل داعية من بعده - ألا يأخذه الحزن إذا رأى الناس لا يهتدون ، فإنما عليه واجبه يؤديه ، والهدى والضلال بيد اللّه ، وفق سنته في فطرة النفوس واستعداداتها واتجاهاتها ومجاهدتها للهدى أو للضلال . وألا يضيق صدره بمكرهم فإنما هو داعية للّه ، فاللّه حافظه من المكر والكيد ، لا يدعه للماكرين الكائدين ، وهو مخلص في دعوته لا يبتغي من ورائها شيئا لنفسه ) .