بالمؤمنين دوائر السوء ، بمعنى : أنهم ينتظرون زوال دولتهم ، وظهور الكفرة عليهم ، وذهاب ملتهم . ولكنهم لنفاقهم ، إن رأوا نصرا ، وتأييدا للمسلمين ، يتوددون إليهم بالتظاهر بأنهم معهم . وإن كان للكافرين إدالة على المؤمنين ، كما قد يقع في بعض الأحيان ، يقولون للكافرين : لقد ساعدناكم في الباطن . وما ألونا المؤمنين خبالا ، وتخذيلا حتى انتصرتم عليهم . يصانعون المؤمنين إن كانت لهم غلبة . ويصانعون الكافرين إن كانت لهم غلبة ، ليحظوا عند الجميع ، ويأمنوا الجميع . وما ذاك إلا لضعف إيمانهم وقلة يقينهم . ثم هددهم الله - عزّ وجل - بأن لا يغتروا بجريان الأحكام الشرعية عليهم ظاهرا في الحياة الدنيا ؛ لما لله في ذلك من الحكمة . فيوم القيامة لا تنفع الظواهر . ويوم القيامة تظهر العزة كلها للمؤمنين . ولا يكون للكافرين على المؤمنين أدنى طريق . فلا يغتر من يغتر بما قد يكون للكافرين من غلبة على المؤمنين في الحياة الدنيا . ثم زادنا الله بصيرة في شأن المنافقين ، وأنهم من جهلهم بالله ، وقلة علمهم وعقلهم ، يعتقدون أن أمرهم كما راج على الناس - حتى جرت عليهم أحكام الشريعة ظاهرا ، فكذلك يكون حكمهم يوم القيامة . وأن أمرهم يروج عند الله . ولكن أنى يروج خداعهم على الله ، وكيف يمر . فالله الحكم العدل ، البصير ، الخبير ، يستدرجهم حتى في الدنيا - في طغيانهم ، وضلالهم . ويخذلهم عن الحق ، والوصول إليه فكذلك يوم القيامة هم مجزيون على كفرهم .
ثم بين الله - عزّ وجل - صفة أخرى من صفات المنافقين . وكيف أنهم إذا عملوا أشرف الأعمال وأفضلها وخيرها ، وهي الصلاة ، كان عملهم محاطا بالكسل .
فإذا قاموا إلى الصلاة ، قاموا كسالى ؛ لأنهم لا نية لهم فيها ، ولا إيمان لهم بها ، ولا خشية في شأنها ولا يعقلون معناها . ومن ثم يقومون إليها كسالى . وهذه صفة ظاهرهم في أدائها ، وأما صفة بواطنهم الفاسدة ، فهي أنهم لا إخلاص لهم فيها . وإنما يؤدونها مراءاة للناس ، ومصانعة لهم . ثم هم في صلاتهم لا يخشعون ولا يدرون ما يقولون ، بل هم في صلاتهم ساهون لاهون ، وعما يراد بهم من الخير معرضون . ثم زادنا الله بصيرة في شأن المنافقين ، فوصفهم بالحيرة ، والتردد بين الإيمان ، والكفر ، والمؤمنين ، والكافرين . فلا هم مع المؤمنين ظاهرا ، وباطنا . ولا هم مع الكافرين ظاهرا ، وباطنا . بل ظواهرهم مع المؤمنين ، وخاصة عندما تكون الغلبة للمؤمنين . وبواطنهم مع الكافرين . ومنهم من يعتريه الشك . فتارة يميل إلى هؤلاء ، وتارة يميل إلى أولئك .
وذلك علامة من أراد الله إضلاله : أن لا تجد له طريقا واضحا . وبعد أن اتضحت
الأساس في التفسير — صفحة 1206
مساهمون: سعيد حوى
ص١٢٠٦