تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأساس في التفسير — صفحة 1091

مساهمون:

ص١٠٩١
الأمانات : أمانة الشهادة لهذا الدين . . الشهادة له في النفس أولا بمجاهدة النفس حتى تكون ترجمة له . ترجمة في شعورها وسلوكها . حتى يرى الناس صورة الإيمان في هذه النفس . فيقولوا : ما أطيب هذا الإيمان وأحسنه وأزكاه ؛ وهو يصوغ نفوس أصحابه على هذا المثال من الخلق والكمال ! فتكون هذه شهادة لهذا الدين في النفس يتأثر بها الآخرون . . والشهادة له بدعوة الناس إليه ، وبيان فضله ومزيته - بعد تمثل هذا الفضل وهذه المزية في نفس الداعية - فما يكفي أن يؤدي المؤمن الشهادة للإيمان في ذات نفسه ، إذا هو لم يدع إليها الناس كذلك . وما يكون قد أدى أمانة الدعوة والتبليغ والبيان - وهي إحدى الأمانات - ثم الشهادة لهذا الدين بمحاولة إقراره في الأرض ، منهجا للجماعة المؤمنة ؛ ومنهجا للبشرية جميعا . . المحاولة بكل ما يملك الفرد من وسيله ، وبكل ما تملك الجماعة من وسيلة . فإقرار هذا المنهج في حياة البشر وهو كبرى الأمانات ، بعد الإيمان الذاتي . ولا يعفى من هذه الأمانة الأخيرة فرد ولا جماعة . ومن ثم ف « الجهاد ماض إلى يوم القيامة » على هذا الأساس . . أداء لإحدى الأمانات . ومن هذه الأمانات - الداخلة في ثنايا ما سبق - أمانة التعامل مع الناس ؛ ورد أماناتهم إليهم : أمانة المعاملات والودائع المادية . وأمانة النصيحة للراعي وللرعية . وأمانة القيام على الأجيال الناشئة . وأمانة المحافظة على حرمات الجماعة وأموالها وثغراتها . . وسائر ما يجلوه المنهج الرباني من الواجبات والتكاليف في كل مجالي الحياة على وجه الإجمال . . فهذه من الأمانات التي يأمر الله أن تؤدى ؛ ويجملها النص هذا الإجمال . فأما الحكم بالعدل بين « الناس » فالنص يطلقه هكذا عدلا شاملا « بين الناس » جميعا . لا عدلا بين المسلمين بعضهم وبعض فحسب . ولا عدلا مع أهل الكتاب ، دون سائر الناس . . وإنما هو حق لكل إنسان بوصفه « إنسانا » . فهذه الصفة - صفة الناس - هي التي يترتب عليها حق العدل في المنهج الرباني . وهذه الصفة يلتقي عليها البشر جميعا : مؤمنين وكفارا ، أصدقاء وأعداء ، سودا وبيضا ، عربا وعجما . . والأمة المسلمة قيمة على الحكم بين الناس بالعدل - متى حكمت في أمرهم - هذا العدل الذي لم تعرفه البشرية قط في هذه الصورة - إلا على يد الإسلام ، وإلا في حكم المسلمين ، وإلا في عهد القيادة الإسلامية للبشرية . . والذي افتقدته من قبل ومن بعد هذه القيادة ؛ فلم تذق له طعما قط ، في مثل هذه الصورة الكريمة التي تتاح للناس جميعا . لأنهم « ناس » لا لأية صفة أخرى زائدة عن هذا الأصل الذي يشترك فيه « الناس » . وذلك هو أساس الحكم في الإسلام ، كما أن الأمانة - بكل مدلولاتها - هي أساس الحياة في