تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأساس في التفسير — صفحة 1092

مساهمون:

ص١٠٩٢
المجتمع الإسلامي . والتعقيب على الأمراء بأداء الأمانات إلى أهلها ؛ والحكم بين الناس بالعدل ، هو التذكير بأنه من وعظ الله - سبحانه - ونعم ما يعظ الله به ويوجه :
إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ .
ونقف لحظة أمام التعبير من ناحية أسلوب الأداء فيه . فالأصل في تركيب الجملة : إنه نعم ما يعظكم الله به . . ولكن التعبير يقدم لفظ الجلالة ، فيجعله « اسم إن » ويجعل نعم ما « نعما » ومتعلقاتها ، في مكان « خبر إن » بعد حذف الخبر . . ذلك ليوحي بشدة الصلة بين الله - سبحانه - وهذا الذي يعظهم به . . ثم إنها لم تكن « عظة » إنما كانت « أمرا » . . ولكن التعبير يسميه عظة . لأن العظة أبلغ إلى القلب ، وأسرع إلى الوجدان ، وأقرب إلى التنفيذ المنبعث عن التطوع والرغبة والحياة ! ثم يجئ التعقيب الأخير في الآية ؛ يعلق الأمر بالله ومراقبته وخشيته ورجائه :
إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً .
. والتناسق بين المأمور به من التكاليف ؛ وهو أداء الأمانات ، والحكم بالعدل بين الناس ؛ وبين كون الله سبحانه « سميعا بصيرا » مناسبة واضحة ولطيفة معا . . فالله يسمع ويبصر ، قضايا العدل ، وقضايا الأمانة . والعدل كذلك في حاجة إلى الاستماع البصير ، وإلى حسن التقدير ، وإلى مراعاة الملابسات والظواهر ، وإلى التعمق فيما وراء الملابسات والظواهر . وأخيرا فإن الأمر بهما يصدر عن السميع البصير بكل الأمور . وبعد : فالأمانة والعدل . . ما مقياسهما ؟ ما منهج تصورهما وتحديدهما وتنفيذهما في كل مجال في الحياة ، وفي كل نشاط للحياة ؟ . أيترك مدلول الأمانة والعدل ووسائل تطبيقهما وتحقيقهما إلى عرف الناس واصطلاحهم ؟ وإلى ما تحكم به عقولهم أو أهواؤهم ؟ إن للعقل البشري وزنه وقيمته بوصفه أداة من أدوات المعرفة والهداية في الإنسان . . هذا حق . . ولكن هذا العقل البشري هو عقل الأفراد والجماعات في بيئة من البيئات ؛ متأثرا بشتى المؤثرات . . ليس هناك ما يسمى « العقل البشري » كمدلول مطلق ! إنما هناك عقلي وعقلك ، وعقل فلان وعلان ، وعقول هذه المجموعة من البشر ، في مكان ما وفي زمان ما . . وهذه كلها واقعة تحت مؤثرات شتى ، تميل بها من هنا ، وتميل بها من هناك . . ولا بد من ميزان ثابت ، ترجع إليه هذه العقول الكثيرة ؛ فتعرف عنده مدى الخطأ والصواب في أحكامها وتصوراتها . ومدى الشطط والغلو ، أو التقصير والقصور في هذه الأحكام والتصورات . وقيمة العقل البشري هنا هو أنه الأداة المهيأة للإنسان ، ليعرف بها وزن أحكامه في هذا الميزان . . والميزان الثابت ، الذي لا يميل مع