تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأساس في التفسير — صفحة 959

مساهمون:

ص٩٥٩
وسبب ذلك أن المسلم إذا تخلف عن الجهاد حزن ، كما سيمر معنا في سورة براءة ، وإذا جاهد رغب أن يكون جهاده خالصا لوجه الله تعالى ، فهو يخجل من إظهار العمل ، وهؤلاء عكس ذلك ، فهم في الطرف المقابل من أهل الإيمان في أخلاقهم . وعلى هذا الاتجاه فما الصلة بين هذه الآية وما قبلها ؟ الصلة - والله أعلم - أن الجهاد طريق إظهار الحق . وهؤلاء لا يشاركون فيه ، ويحبون أن يحمدوا بأنهم من أهله ، وإذا نظرنا إلى لفظ الآية ونصها ، فإننا نرى فيها وعيدا لمن يأتي بحسنة فيفرح بها فرح إعجاب . ويحب أن يحمده الناس بما ليس فيه ، وقوله تعالى :
فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ
أي : لا تحسبنهم فائزين ، أي لا تحسبنهم بمنجاة من عذاب الله . وبعد هذا نقول : إن نقطة الخطأ في الفهم هي : أن يفهم فاهم أن مجرد فرحه بفعله يستحق به عذاب الله ، وذلك أن الفرح إذا كان بفضل الله ، فذلك شئ مشروع ، وإنما تدخل في الآية ثلاث حالات ( والله أعلم ) : الحالة الأولى : أن يكتم إنسان ما أنزل الله ، ويحب أن يحمد على أنه من المجاهرين به . والحالة الثانية : أن يتخلف إنسان عن طاعة الله ، وهو فرح بهذا التخلف ، ويحب أن يحمد على أنه من القائمين بأمر الله . والحالة الثالثة : أن يفرح الإنسان بعمله فرح إعجاب - إذ العجب يحبط العمل - ويحب أن يتظاهر بغير ما هو له ، وأن يحمد به ، وقد قال ابن كثير في شرح الآية : يعني بذلك المرائين المتكثرين بما لم يعطوا ، كما جاء في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم « من ادعى دعوى كاذبة ليتكثر بها ، لم يزده الله إلا قلة » وفي الصحيحين أيضا « المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور . . » . ونذكر بما قلناه من قبل بهذه المناسبة كيف أن هذا القرآن لا تنتهي عجائبه ومعانيه . فمن خلال السياق الجزئي نفهم شيئا ، ومن خلال السياق العام نفهم شيئا ، ومن خلال المعنى الحرفي نفهم شيئا ، ولا يتناقض هذا مع هذا ، بل يكمله ويتممه . ثم قال تعالى :
وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .
أي : هو المالك لكل شئ ، وهو القادر على كل شئ ، ومجىء هذه الآية في السياق مرتبط بما قبله من ناحية أن الذين يكتمون ، إنما يشترون بكتمانهم ثمنا قليلا . فذكرهم الله بأنه هو مالك كل شئ ، وبيده العطاء . ومن ناحية أن الذين يفرحون بما أتوا يستحقون العذاب . وقدرة الله محيطة بهم تنالهم لتعذبهم . إن التذكير بمالكية الله للأشياء كلها ، وقدرته على الأشياء كلها ، وتذكر ذلك ، هو المصفي لكل أمراض النفوس .