آخرين
فَبِإِذْنِ اللَّهِ
أي : فبعلمه وقضائه وقدره ، فسلموا لله في ذلك ، لأن أفعاله كلها حكمة . ثم بين بعض الحكمة في ما حدث ،
وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا .
أي : وما أصابكم فكائن بإذن الله ، وكائن ليتميز المؤمنون من المنافقين ، وليظهر إيمان هؤلاء ، ونفاق هؤلاء ، إيمان المؤمنين بصبرهم وثباتهم على الإيمان ، وعدم تزلزلهم ، ونفاق المنافقين بمواقفهم وأقوالهم :
وَقِيلَ لَهُمْ . . .
أي :
للمنافقين
تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ .
أي : جاهدوا للآخرة كما يقاتل المؤمنون ،
أَوِ ادْفَعُوا
أي : قاتلوا دفعا عن أنفسكم وأهليكم وأموالكم إن لم تقاتلوا للآخرة ! وفسر آخرون الدفع في هذا المقام : بتكثير السواد . أي : أو ادفعوا العد وبتكثيركم سواد المجاهدين إن لم تقاتلوا ! لأن كثرة السواد مما تروع العدو .
قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ
أي : لو نعلم ما يصح أن يسمى قتالا لا تبعناكم .
وقولهم هذا يحتمل معنيين : إما أنهم يريدون أنه لا قتال أصلا ، ويحتمل أنهم أرادوا أن هذا النوع من القتال ليس قتالا ، ولكنه إلقاء بالنفس إلى التهلكة .
قال النسفي : يعنون أن ما أنتم فيه لخطأ رأيكم ليس بشيء ، ولا يقال لمثله قتال ، إنما هو إلقاء النفس إلى التهلكة . والمعنى الأول هو الذي يشير إليه كلام أهل السير ، وذلك أن المنافقين وقحون لا يبالون أن يقولوا الكلمة التي تنقضها كل الوقائع . روى محمد بن إسحاق في سيرته بسنده عمن ذكر : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني حين خرج إلى أحد في ألف رجل من أصحابه ، حتى إذا كان بالشوط بين أحد والمدينة ، انحاز عنه عبد الله بن أبي بن سلول بثلث الناس ، فقال : أطاعهم فخرج وعصاني ، والله ما ندري علام نقتل أنفسنا هاهنا أيها الناس ، فرجع بمن اتبعه من الناس من قومه أهل النفاق ، وأهل الريب ، واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام أخو بني سلمة يقول : يا قوم أذكركم الله أن تخذلوا نبيكم وقومكم عندما حضر من عدوكم ، قالوا : لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم ، ولكن لا نرى أن يكون قتال ، فلما استعصوا عليه ، وأبوا إلا الانصراف عنهم قال : أبعدكم الله أعداء الله ، فسيغني الله عنكم . ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم .
هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ
قال النسفي : يعني أنهم كانوا يتظاهرون بالإيمان قبل ذلك ، وما ظهرت منهم أمارة تؤذن بكفرهم ، فلما انخذلوا عن عسكر المؤمنين وقالوا ما قالوا تباعدوا بذلك عن الإيمان المظنون بهم ، واقتربوا من الكفر . أو هم لأهل الكفر أقرب نصرة منهم لأهل الإيمان . لأن تقليلهم سواد المؤمنين بالانخذال تقوية للمشركين .