تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأساس في التفسير — صفحة 923

مساهمون:

ص٩٢٣
عالم بأعمالهم وسيوفيهم إياها ، لا يظلمهم خيرا ، ولا يزيدهم شرا ، بل يجازي كل عامل بعمله . وكما من الله على المؤمنين برحمة رسوله صلى الله عليه وسلم لهم ، ولينه لهم ، يمن عليهم هنا برسالته ، وأعظم المن في ذلك على العرب ؛ ومجىء هذه الآية في هذا السياق ، تذكير بالنعمة في مقامها ، إذ المقام مقام إبعاد عن أخلاق الكافرين ، وتصوراتهم ، وأقوالهم التي يعني السير فيها كفرانا لنعمة الله ببعثة رسوله صلى الله عليه وسلم .
لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
عامة والعرب خاصة ؛ بدليل ما بعده ، وخص المؤمنين بالذكر ؛ لأنهم هم المنتفعون بالبعثة
إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ
أي : من جنسهم ليتمكنوا من مخاطبته وسؤاله ، ومجالسته ، والانتفاع به ، ولكن ما المراد بالجنس التي فسرنا بها كلمة الأنفس ؟ هل المراد بها الجنس البشري ، أو المراد بها الجنس العربي ؟ فيكون المعنى : من جنسهم عربيا مثلهم أو المراد بقوله
مِنْ أَنْفُسِهِمْ
أي : من ولد إسماعيل لما أن أشرف العرب من ولده . والمنة على الوجه الأول ، أي : بكون الرسول من البشر من حيث إمكان الاقتداء به ، وسهولة مخاطبته ، ومراجعته ، والتعرف على حاله . والمنة على الوجه الثاني : أي : في كونه عربيا بالنسبة للعرب ، زيادة على ما مر من حيث كون اللسان واحدا فيسهل أخذ ما يجب عليهم أخذه عنه . والمنة على الوجه الثالث : زيادة على ما مر من حيث كونه من أشرف العرب ، فيسهل ذلك على الأنفس المتابعة ، والمنة لله على خلقه عامة ببعثة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وعلى العرب أشد ، وعلى بني إسماعيل وقريش أبلغ . فما أفظع كفر من يكفر من قريش ، أو من العرب ، أو من المؤمنين بعد كمال المنة ، فيتابع الكافرين في أقوالهم ، أو أفعالهم ، أو أحوالهم ، أو تصوراتهم ، ثم عدد الله مظاهر النعمة بالرسالة
يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ
أي القرآن بعد أن كانوا في جاهلية لم يطرق أسماعهم شئ من الوحي ، وهذا على القول بأن المراد إظهار المنة بالرسالة على العرب . وعلى القول بأن المراد جنس البشر يبقى المراد هو القرآن . والمنة بآياته من حيث كونها تذكيرا لهم بالله من خلال قرآنه المعجز
وَيُزَكِّيهِمْ
أي ويطهرهم بالإيمان والإسلام والإحسان ، والتربية بالقول والعمل ، والقدوة ، والحال من كل دنس ، وخبث ، اعتقادي ، أو أخلاقي ، أو سلوكي ، أو غير ذلك
وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ
أي القرآن والسنة
وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ
أي : من قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم
لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ
أي : لفي عمى وجهالة وغي ظاهر جلي بين لا شبهة فيه . وهذا يرجح أن الخطاب والآية يراد به العرب خاصة ، لأن من بقايا أهل الكتاب من كان قبل بعثته عليه الصلاة السلام على علم ، وعلى هدى ، ولكن الخطاب وإن أريد به العرب خاصة هنا ، فإنه يدخل فيه غيرهم ممن هو مثل حالهم . ولعل