تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأساس في التفسير — صفحة 927

مساهمون:

ص٩٢٧
وقال ابن كثير : استدلوا به على أن الشخص قد تتقلب به الأحوال فيكون في حال أقرب إلى الكفر ، وفي حال أقرب إلى الإيمان .
يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ
أي : يظهرون خلاف ما يضمرون ، والله يعلم أسرارهم . وهذه طبيعة المنافق يتظاهر بشيء ويبطن شيئا ، يقول القول ولا يعتقد صحته ، ومن ذلك كلامهم السابق ؛ فإنهم يعرفون أن جندا من المشركين قد جاءوا من بلاد بعيدة يتحرقون على المسلمين ؛ بسبب ما أصاب أشرافهم يوم بدر ، وهم أضعاف المسلمين ، فالقتال كائن لا محالة ، ومع ذلك ادعوا أنه لا قتال ، ثم وصفهم الله بأنهم
الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ
أي : لأجل إخوانهم ، أي : عن إخوانهم - في الصورة - ممن قتل يوم أحد
وَقَعَدُوا
أي : قالوا وقد قعدوا عن القتال
لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا
أي : لو أطاعنا إخواننا فيما أمرناهم به من الانصراف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والقعود ، ووافقونا فيه لما قتلوا كما لم نقتل . ويبدو - والله أعلم - أنهم يريدون بإخوانهم هنا من قتل من الأنصار . قال تعالى : ردا عليهم
قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
أي إن كان القعود يسلم به الشخص من القتل والموت ، فينبغي أنكم لا تموتون ، والموت لا بد آت ، فادفعوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين . أو المعنى : إن كنتم صادقين بأن الحذر ينفع من القدر ، ويدفع الموت ، فادفعوه عن أنفسكم ، ولن تستطيعوا . أو المعنى : قل إن كنتم صادقين في أنكم وجدتم إلى دفع الموت سبيلا وهو القعود عن القتال ، فجدوا إلى دفع الموت سبيلا . والملاحظ أن كلامهم هذا يشبه كلام الكافرين الذي نهى الله عنه في أول المقطع بقوله :
لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا
وهذا يشعر أن المنافقين كافرون . وفيه تعرية للمنافقين ، وتدليل عليهم من كلامهم . ومن ثم ندرك كيف أن سورة آل عمران تفصيل لمقدمة سورة البقرة . لقد تحدثت مقدمة سورة البقرة عن المتقين المؤمنين ، وعن الكافرين ، وعن المنافقين ، وهذا المقطع زادنا بيانا في أخلاق الكافرين ، وصفاتهم ، وأقوالهم ، وأفعالهم ، وزادنا بيانا في أخلاق المنافقين ، وكلامهم ، ومواقفهم ، وصفى تصورات أهل الإيمان ، وعرفهم على مزيد من نعمه عليهم ؛ بما من عليهم من رسوله عليه الصلاة والسلام وعرفهم على كثير مما ينبغي أن يفعلوه ويتأدبوا به . وصلة المقطع بما قبله مباشرة واضحة ، فالكلام فيه استمرار للكلام عن دروس