أخبر تعالى أن كل من مات أو قتل فمصيره ومرجعه إلى الله - عزّ وجل - فيجزيه بعمله إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر . وفي هذه المعاني رد على تصور الكافرين الفاسد . وفي نهاية المقطع عود إلى هذه المعاني . وبين نهاية المقطع وهذه البداية معان سنرى الصلة بينها وبين ما قبلها وما بعدها ، فبعد المعاني التي ذكرناها ، من الله - عزّ وجل - على رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين بما ألان قلب رسوله لهم ، فأطاب لفظه لهم . ثم بين الحكمة في ذلك ، بأنه لو كان عليه السلام سيئ الكلام ، قاسي القلب ، لانفضوا عنه وتركوه ، ولكن الله جمعهم عليه ، وألان جانبه لهم تأليفا لقلوبهم . وفي ذلك رحمة من الله بالجميع . ثم أمر رسوله أن يعفو عنهم ، وأن يشاورهم ، وأن يستغفر لهم تطييبا للقلوب ، وزيادة حرص على خيرهم . ثم أمره إذا شاور وعزم ، أن يتوكل على الله ويمضي ، فالله يحب المتوكلين . ثم بين لهم أن النصر والخذلان من الله ، ثم أمرهم بالتوكل بعد ما بين لهم من قبل أنه يحب أهله . ثم بين عصمة رسوله من الخيانة في أمر الدنيا والدين ، وهدد الخائنين بعقابه وجزائه . ثم بين عدم استواء من يتبع رضوان الله مع من يسخط الله . ثم بين أن أهل الخير وأهل الشر درجات ، وأن كلا موفى عمله . ثم بين أن له على المؤمنين منة أخرى ببعثته رسولا للمؤمنين من جنسهم ، ليتمكنوا من مخاطبته وسؤاله ومجالسته والانتفاع به ، ويعلمهم ويربيهم بعد أن كانوا في جهالة وضلالة ، ثم يعود السياق إلى البداية التي لها علاقة في غزوة أحد ، ودروسها وتصحيح التصورات حول الموت والقتل .
فما الصلة بين ما ذكر في وسط هذا المقطع ، وبين طرفيه ؟ إن منة الله على عباده ببعثة رسوله ، وبخصائصه ، وعصمته ، وأمر الله له صلى الله عليه وسلم بالمشاورة كل ذلك مرتبط بما ينبغي أن يرافق ما يحدث للمسلمين بالرضا سواء كان قتلا أو غيره ، كما ينبغي أن يرافقه شعور بالنعمة لا يبقى معه أي بقية للتصورات الكفرية في أي شأن ، كما ينبغي أن يرافقه شعور بتولي الله للمؤمنين في كل حين ، كيف وقد من عليهم بكل هذا .
وإذا اتضح شئ من الصلة بين وسط المقطع وطرفيه ، فلنذكر المعاني العامة الواردة في طرفه الأخير : بين للمسلمين في نهاية المقطع سبب ما وقع بهم من قتل ، مع تذكيرهم بنعمته عليهم يوم بدر ، وأن علة ذلك هم . ثم بين أن ما أصابهم كان بمشيئة الله ؛ تأديبا وتمحيصا للمؤمنين ؛ وتمييزا للصف الإيماني من الصف المنافق ، الذي تخلى عن القتال في أشد اللحظات بحجة أنه لا قتال ، يقولون هذا وهم يكتمون خلافه ، ويقولون عمن قتل : لو أطاعنا ما قتل ، فرد الله عليهم أن يردوا عن أنفسهم الموت إن كانوا صادقين .
الأساس في التفسير — صفحة 914
مساهمون: سعيد حوى
ص٩١٤