تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأساس في التفسير — صفحة 913

مساهمون:

ص٩١٣
فالبداية والنهاية في موضوع واحد . وفي وسط المقطع ذكرنا الله - عزّ وجل بمنتين علينا :
فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ . . .
لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ .
وفي منة الله - عزّ وجل - علينا بذلك في وسط الكلام الذي ينهانا عن مواطأة الكافرين والمنافقين في قضية الموت ، ما هو كالبيان لنعم يذكرنا الله - عزّ وجل - بها ، لا ينبغي معها أن نواطئ الكافرين والمنافقين في اعتقادهم في شأن الموت . وفي هذه الأجواء ، أجواء القتل في سبيل الله ، وأجواء أقوال الكافرين والمنافقين في من قتلوا في سبيل الله ، مما يترك آثاره في قلوب المسلمين يأتي قوله تعالى :
فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ، فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ
فإلى ما ذا يشير هذا ؟ إن هذا يشير إلى أن القائد عليه أن يكون لينا ، وأن يعفوا ويستغفر ويشاور ، فليس دخول معركة يترتب عليه ما يترتب أمرا سهلا ، خاصة وأن الكافرين والمنافقين سيثيرون زوابع . فلا بد أن يكون الصف الإيماني على غاية من الوعي والتلاحم ، وذلك لن يتم إلا إذا كان على رأس الأمر قائد هذه صفاته . وفي هذا السياق يذكرنا الله بالتوكل عليه ، وأن النصر والخذلان منه ، وفي هذا السياق يعمق الثقة بشخصية الرسول صلى الله عليه وسلم مما يوحي بأن القائد لا ينبغي له الغلول ، ولا ينبغي أن يكون محل شك ، فعلى القادة أن يلاحظوا ذلك .

ولنبدأ عرض المقطع :

في هذا المقطع نهى الله عباده المؤمنين عن مشابهة الكفار في اعتقادهم الفاسد ، الدال عليه قولهم ، عن إخوانهم الذين ماتوا في الأسفار والحروب : لو كانوا تركوا ذلك لما أصابهم ما أصابهم ، ثم بين الله - عزّ وجل - أنه خلق هذا الاعتقاد الفاسد في قلوبهم ليزدادوا حسرة على موتاهم وقتلاهم ، ثم رد عليهم اعتقادهم الفاسد ، بأنه تعالى بيده الخلق وإليه يرجع الأمر ، ولا يموت أحد ولا يحيا إلا بمشيئته وقدره ، ولا يزداد في عمر أحد ولا ينقص منه شئ إلا بقضائه وقدره . ثم بين أن علمه وبصره نافذ في جميع خلقه ، لا يخفى عليه من أمورهم شئ ، ثم بين أن القتل في سبيله والموت في سبيله خير من البقاء في الدنيا وجمع حطامها الفاني ؛ لأن القتل أو الموت في سبيله وسيلة إلى نيل رحمته وعفوه ورضوانه ، ثم