تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأساس في التفسير — صفحة 851

مساهمون:

ص٨٥١
الْأَدْبارَ
منهزمين ، فلا يثبتون أمامكم .
ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ
أي : ثم لا يكون لهم نصر من أحد ، ولا يمنعون منكم ، وهذه أعظم بشارة لنا إن كنا مؤمنين حقا . خاصة في صراعنا مع اليهود ، وأما هزائمنا أمامهم ، فتدل على أن الذين يقاتلونهم لم يتحققوا بصفات الإيمان ، وهذا ظاهر إذ اللواء الذي قاتل تحته العرب فهزموا حتى الآن ، إنما هو لواء الكفر ، والفسوق ، وإلا فالوقائع الماضية للمؤمنين مع أهل الكتاب شاهدة لما ذكرته الآية
ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا
هذا الكلام خاص باليهود ، بدليل ما يأتي من صفاتهم التي هي علم عليهم . والآية تفيد أن اليهود قد ألزموا الذلة أينما وجدوا ، وذلك بدفعهم الجزية لكل دولة يعيشون في ظلها ، وخوفهم الدائم أينما كانوا . مما يضطرهم لفعل الذليل من الأعمال ، نفاقا واتقاء شر . ثم استثنى الله حالة عرفناها في عصرنا إذ قامت لهم دولة في فلسطين . قال تعالى :
إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ
أي : إلا بإمداد من الله ، وإمداد من الناس ، إلا بسبب يعطيهم الله إياه ، وبسبب من الناس يكون لهم ، فترتفع عنهم الذلة بذلك ويكون لهم دولة وسلطان ، وهذا ما حدث الآن إذ أمدهم الله ، وسخر لهم وسلطهم علينا بظلمنا ، وإذ تمالأ العالم كله لصالحهم يمدهم ويحميهم ، ويكيد لهم ، ويخدمهم ، فكان ما نعلمه ، ولكنه حدث عارض بدليل ما سيمر معنا في سورة الأعراف ، وفي سورة الإسراء .
وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ
أي : ألزموا بغضب الله بما استوجبوه من ذلك
وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ
أي خوف الفقر هنا مع قيام اليسار . فهم لا يرون إلا مساكين متظاهرين بذلك ، أو متحققين - وسبب هذا كله - وهو تهديد لنا أن نفعل مثل فعلهم ، فنستحق ما استحقوه هم
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ
أي : سبب ضرب الذلة والمسكنة عليهم ، وبوئهم بغضب الله ، كفرهم بآيات الله ، وقتلهم الأنبياء بغير حق .
ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ
أي : سبب قتلهم الأنبياء ، وكفرهم ، هو عصيانهم لله ، واعتداؤهم حدوده فالعصيان والاعتداء هما مقدمتا الكفر والجرأة على سفك دم أهل الإيمان . وقد كفر كثيرون من هذه الأمة في عصرنا ، حكاما ومحكومين ، وقتلوا الدعاة إلى الله ، وتجاوزوا حدوده ، ووقعوا في معاصيه . أيستغرب بعد ذلك أن يغلبهم اليهود في معاركهم ، وما غلب اليهود المسلمين ، وإنما غلبوا أمثالهم . وإذ ذكر الله منذ قليل أن من أهل الكتاب من يؤمن ، وأكثرهم المستمر على الكفر . فالآن يبين فضل الأولين ، بعد أن بين خسران الآخرين قال تعالى :
لَيْسُوا سَواءً
أي ليسوا