وجود ربه ، وربوبيته التي تقتضي الطاعة والعبودية والخضوع . والاستفهام فيه معنى التعجيب . وأي عجب أكبر من أن يبطر الإنسان النعمة . فبدلا من أن يشكر المنعم ، يكفر . وذلك أن سبب محاجة هذا الإنسان ، إبراهيم :
أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ
أي : لأن الله آتاه الملك . أي : إن إيتاءه الملك أبطره ، وأورثه الكبر ، فحاج إبراهيم .
إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ
: هذا مضمون الحوار الذي تم بين إبراهيم ، ونمرود .
فكأن نمرود قال : من ربك ؟ . فقال إبراهيم : ربي الذي يحيي ويميت
قالَ
نمرود :
أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ
: يريد - عليه اللعنة - أنه يعفو عن القتل ، ويقتل . وجوابه هذا دليل على انقطاعه عن الخصومة ، وعجزه عن الجواب . فلما عاند اللعين حجة الإحياء بتخلية واحد ، وقتل آخر . كلمه من وجه لا يعاند - وكانوا أهل تنجيم - فقال : إن مقتضى الربوبية : السيطرة ، والهيمنة على هذا الكون ، بتسخير أجرامه . فإن كنت ربا ، فغير حركة الشمس .
قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ ، فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ
: كلمه بحركة الشمس كما تبدو للناظر
فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ
أي : تحير ، ودهش .
وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
أي : لا يوفقهم ولا يلهمهم حجة في مناقشة أهل الحق .
فوائد :
1 - دلت الآية على إباحة الكلام في علم التوحيد ، والمناظرة فيه . لأنه قال :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ . . .
والمحاجة تكون بين اثنين . فدل على أن إبراهيم حاجه أيضا ولو لم يكن مباحا ، لما باشرها إبراهيم عليه السلام . لكون الأنبياء عليهم السلام معصومين عن ارتكاب الحرام . ولأنا أمرنا بدعاء الكفرة إلى الإيمان بالله وتوحيده .
وإذا دعوناهم إلى ذلك لا بد أن يطلبوا منا الدليل . وذا لا يكون إلا بعد المناظرة . فمعرفة الأدلة على وجود الله ، ومعرفة الأدلة على بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومعرفة الأدلة على صحة دين الإسلام ، وإقامة الحجة بذلك على الكافرين . كل ذلك مطلوب محمود . وقد جمعنا في ذلك سلسلة الأصول الثلاثة : ( الله جل جلاله ) و ( الرسول صلى الله عليه وسلم ) و ( الإسلام ) من أجل هذا .
2 - محل هذه الآية في السياق واضح . ففي الآيات السابقة حديث عن الله . وفي هذه الآية عرض مناقشة بين رسول وكافر ، حول وجود الله ، وربوبيته ، وقيام الحجة