تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأساس في التفسير — صفحة 605

مساهمون:

ص٦٠٥
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ . قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ .

المعنى العام :

ألم تر يا محمد إلى الذي يجادل إبراهيم في وجود ربه ، وربوبيته وذلك أنه أنكر أن يكون ثم إله غيره . وما حمله على هذا الطغيان ، والكفر الغليظ ، والمعاندة الشديدة ، إلا تجبره ، وطول مدته في الملك . وكان طلب من إبراهيم دليلا على وجود الرب الذي يدعو إليه . فقال إبراهيم : إنما الدليل على وجوده ، وربوبيته ، ظاهرة الإحياء والإماتة . فظاهرة الإحياء والإماتة تدل على الله بما لا يقبل جدلا ، إذ كيف تعلل ظاهرة الحياة ، والإماتة بدون الله . وقد تحدثنا في كتابنا ( الله جل جلاله ) عن ظاهرة الإحياء . وكيف أنها تدل على الله بما لا يقبل جدلا ، فليراجع البحث هناك ، وقد استدل إبراهيم بهذه الظاهرة على وجود ربه ، وربوبيته ، لأنها أقرب الظواهر البديهية على وجود ربنا عزّ وجل ، فعند ذلك قال المحاج : أنا أحيي وأميت . قال قتادة ، ومحمد بن إسحاق ، والسدي ، وغير واحد : وذلك أني أوتى بالرجلين ، قد استحقا القتل . فآمر بقتل أحدهما ، فيقتل . وآمر بالعفو عن الآخر فلا يقتل . وليس هذا جوابا لما قال إبراهيم ، ولا في معناه ، لأنه غير مانع لوجود الصانع . وإنما أراد أن يدعي لنفسه هذا المقام عنادا ومكابرة ، ويوهم أنه الفاعل لذلك ، وأنه هو الذي يحيي ويميت . ولهذا قال إبراهيم لما ادعى هذه المكابرة :
فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ
أي إذا كنت تدعي أنك تحيي وتميت فالذي يحيي ويميت هو الذي يتصرف في الوجود في خلق ذواته ، وتسخير كواكبه وحركاته . فهذه الشمس تبدو كل يوم من المشرق . فإن كنت إلها كما ادعيت ، فأت بها من المغرب ؟ . فلما علم عجزه وانقطاعه ، وأنه لا يقدر على المكابرة في هذا المقام ، بهت . أي : أخرس فلا يتكلم . وتلك سنة الله تعالى أنه لا يلهم الظالمين حجة ، ولا برهانا . بل حجتهم داحضة عند ربهم ، ومن ثم فإن أبسط المؤمنين يقيم الحجة على أكثر الكافرين عنادا .

المعنى الحرفي :

أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ
: الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمراد بالرؤية هنا : الرؤية القلبية والعلمية . والمحاجة : هي المجادلة ، والمخاصمة ، ومجادلته كانت في