سورة ( ق ) مكية ، والسورة المكية غالباً ما تتحدَّث عن التوحيد والمعاد .
ربَّى الرسول صلى الله عليه وآله المسلمين خلال تواجده في مكة تربية عقائدية مستحكمة بنحو كانت منشأً للحركات المستقبلية . والانسان إذا استحكمت عقيدته في مجالي التوحيد والمعاد تعبَّد له طريق العقيدة الكاملة واتضح له سبيل السعادة .
إشكال الكثير من الناس ينشأ عن ضعف عقيدتهم في المبدأ والمعاد ، وأمثال هؤلاء لا يرون اللَّه حاضراً في كل مكان ولا ناظراً على كل شيء ، ممَّا يحرّضهم على اقتراف الذنوب وارتكاب الجرائم ، وإذا اعتبروه حاضراً وناظراً فيبقى ضعف اعتقادهم أو انعدامه في الحياة بعد الموت .
عندما امر ابن سعد بقتال الإمام الحسين عليه السلام ، استاء من ذلك الأمر كثيراً ؛ لأنه أصبح بين خيارين ، إمَّا قتال حفيد الرسول وابن بنته وإمَّا رفع اليد عن إمارة الري ، ذلك البلد الخصب ، فنشبت عنده الحرب بين عقله وأهوائه ، وكانت الغلبة لأهوائه واختار إثر ذلك حرب الإمام الحسين عليه السلام سعياً لبلوغ إمارة الري ، وأنشد عندها :
يقولون إن اللَّه خالق جنة ونار وتعذيب وغل يدين
فإن صدقوا فيما يقولون انني أتوب إلى الرحمن من سنتين
وإن كذبوا فزنا بدنيا عظيمة وملك عقيم دائم الحجلين « 1 »
إذن ، الاعتقاد بأصلي التوحيد والمعاد مفيد لا في الآخرة فحسب بل في الدنيا كذلك ، وبهما نستغني عن المحاكم والسجون ، وهذا هو سبب تأكيد الرسول صلى الله عليه وآله عليهما خلال تواجده في مكة ، كما أن محور حديث غالب الآيات التي نزلت في مكة هو هذان الأصلان . أمَّا الآيات المدنية فقلَّ التأكيد فيها على هذين الأصلين ، وغالبها كان يصبُّ في قضايا أخلاقية وفقهية وتاريخية وعسكرية ، وقلَّما تعرَّضت للمبدأ والمعاد ؛ وذلك لأن أسس عقائد المسلمين ثبتت في مكة واستحكمت هناك .
هامش
( 1 ) منهاج الدموع : 291 .
يا ترى من يضمن لابن سعد الحياة بعد الحرب والتوفيق للتوبة ، والتاريخ يشهد بأنه لم يتوفق للتوبة ، كما لم ينل إمارة الري ، وكانت عاقبته كما تنبأ الإمام الحسين عليه السلام أن قتل بيد المختار ذليلًا . راجع مقتل الخوارزمي 1 : 245 .